شعار مداد.png

آخر محطة

أسمعُ ذلك الصوت، صوتُ أحدهم يناديني، يخبرني بالاقتراب منها، يريدني فقط أن أفتح عيناي، لكنّي لم أستجب له، تركته وعدت إليها، تناسيته كي أرضيها، صممتُ أذناي عنه وأمسكتُ بيدها حتى نغوص إلى بيتها، تلك الألوان المبهرجة، سارقة الأبصار وعامية العيون، تلك البهجة التي رأيتها أول مرة والتصقتُ بها، لم أملّ يومًا من مرافقتها، لم يكن صوتها مزعجًا البتة، بل كان يسحرني لأنجذب إليه، أتلذذ حين رفقتها، وأُجن حين أترك موقعها، هي الألوان، أمسكت ذراعي وبابتسامة سحبتني معها إلى القاع مجددًا .

لكن حفلة الألوان المقامة قد انطفأت فجأة، أضحت قاتمة وتزيد، وكأن غمامة سوداء أقامت عزاءها فوقنا، لأكون أنا التضحية كي تنقشع، فرمتني الألوان إلى السطح، طردتني بابتسامة خُبثٍ ليست كالتي سحبتني بها، إذًا طائري اختار الجهة اليسرى وحلق .

عام جسدي نحو الاعلى، حيثُ رفضتُ مقابلة ذاك اللون عندما دعاني في زمنٍ مضى، لم أعطه فرصة حتى كي يريني منزله، أبيتُ رؤيته وأقفلتُ الأبواب لأتركه خارجًا ينتظرُ عودتي بلهفة، وقد قابلتُ احسانه الغريب بالتخلّي .

ارتفعتُ، ومع كل مترات أقطعها أشعر بأنفاسي تضيق، وحزني يشتد وقلبي ينبض برعبٍ أبحث عن مصدره، تناقضت حرارة جسدي مع أطرافه، أريد الوصول، أحتاجه وبشدة، حتى ألتقي باللون وأسأله " ما الذي أصابني ؟ " .

تحاملتُ على نفسي لأتمسك بآخر انفاسي، فقط أحتاج الاجابة، مددتُ يدي، فردتُ كفي، عله يمدها مجددًا كي يسحبني الى السطح، لكن ظلامًا معتمًا هو من استقبلني، أطبق على صدري بقوة، حتى كاد الوعي يغادرني، لكن اللون عاد، وقف أمامي وابتسامته انكسرت، ينظر بشفقة خالطها العتاب، وكأني المخطئة، لماذا إذًا؟ ما هو الخطأ كي أصححه؟ إن كان سيخرجني من عذاب الظلام .

بقي صامتًا، يراقبُ بذات النظرات للحظات، حتى قرر الرحيل أخيرًا وتركي، أهذا رده على إساءتي إليه قبل سنوات! لكني لم أتركه للموت؟ قمت بتركه حُسنًا، فلما يردها بأذًى؟ .

هل أسكت! هل أرضى بالأمر الواقع وأسلم روحي؟ فقط لأني فضلتُ الألوان عليه! "أرجوك، أنقذني، أريدك أنت" أجل، ذاك ما صرخت به، صحيحٌ أنك لون، وتلك ألوان، أنت رمادي، وتلك أحمرٌ، أزرقُ، وأصفر، بأفرعهم، أنتَ مجرد باهتٌ لا حياة فيك، وهي تعجُّ حياةً، أغرتنيـ أغرقتني، ثم رمتني عند نهاية الطريق، تخلت عني، واستيقظتُ متأخرة، فلا تتركني بين أضلع الموت.

تفكك الرمادي وبدأ بالتلاشي حتى اختفى في غياهبه، لينفرد بي ويُتم مهمته، وقد أكرمني بكلماتٍ أعطتني الاجابة، لكنها كانت متأخرة " وصلكِ النداء لكنكِ تجاهلته، تمسكتِ بالألوان وملذاتها، وضربتِ صوته عرض الحائط، غصتِ في غيبوبة أنتِ صانعها، أراد إخراجكِ دائمًا قبل فوت الأوان، لكنكِ كنتِ في القاع، ولم تري روعة لونه، والآن، تستنجدين به! ".

أغمضتُ عيناي مستسلمة، فقد وصل قطاري إلى محطته الأخيرة، ليختم على تذكرة رحلتي

" انتهت " .


ميمونة قاسم

9 عرض