شعار مداد.png

آفة الكسل

"أواجه مشكلة الكسل، فلا أبذل من الجهد إلا قليل، سواء في القراءة أو الكتابة أو التعلم، أفتقد للجدية في أداء المهام، ولا أعرف سبب هذه المشكلة، كثيراً ما كان يُقال لي إنني كسول، هل هي صفة فطرية في؟ وهل أستطيع تغييرها أم هذا هو المكتوب عليّ؟


كثيرا ما استغرب حين أرى الناجحين في المدرسة حين كنت طالباً، الذين يذاكرون يوميا، كيف يمكن لشخص أن يذاكر كل يوم؟ هل هو آلة؟


أحب اللعب واللهو وتفويت الواجبات وتضييع وقتي بمشاهدة الأفلام والمسلسلات، وفي نفس الوقت أعي بأنني سأندم في المستقبل، ولكنني دائما أحاول الاستغراق فيما أفعل وعدم التفكير في عواقب أفعالي، أشعر أحيانا بأنني لم أنضج بعد وأنني ما زلت في مرحلة المراهقة، ولكن الأقران يتجاوزونني بمراحل لا لمزيد ذكاء، وإنما لاجتهادهم ودأبهم فيما يريدون! يخامرني الحزن لذلك.

أكتب لك بكل صراحة أيها المجهول لأنك لا تعرفني، ولكن هل يمكنك مساعدتي؟".


***************


صديقي العزيز: أتفهم ما تشعر به من أسى، وما يخلّفه الكسل من لوم وتأنيب للضمير، ومن فوات للفرص، ومن تضييع للأوقات، صدقني أننا جميعًا نمر بمراحل مشابهة، فإذا كان الدافع وراء ذلك الملل طارئًا، فغربل أهدافك، وغير أساليب وطُرق إنجازك للمهام المُوكلة لك. أما إن كان ذلك نابعًا من طبع لصيقٍ بك؛ فلا أجدى من التسليم باختلافك عمن سواك، فحينها تحاول أن تُصلح ما تستطيع دون انتباذ لصفاتك التي تمنحك خصوصياتك، فتنجز المطلوب منك بطريقتك المناسبة لك، فلا يلزم من معنى الاجتهاد والنشاط أن تذاكر كل يوم لتنجح في الامتحان، فإن كنت ممن يخصص وقتًا قليلًا مع التركيز فهذا كافٍ.


تختلف طُرق صعودنا للسُّلم، وإن كان هذا السُّلم واحدًا، والاقتراح هُنا أن تجد طريقتك، وتتلمس مفاتيحك، وتكتشف نفسك، بتعريضها للتجارب المختلفة في التعامل مع مهامك. الجدير بالذكر أنه لا يلزم من الاجتهاد والنشاط ألا يكون لك وقت للترفيه، قد يختلف القسط الذي يحتاجه كل منا للترفيه، ولكن الأهم أن تكون حياتك متوازنة، فوقت تقتطعه للجد وإن لم تكن في أحسن حالاتك أو لست مستعدًّا للبدء، لتصل للفقرة التي تحفزك في يومك وهي اللهو والمتعة، فتكون مكافأة لك بعد كل جهد تبذله، ومن أجمل ما يُقال في مثل هذا ما يوحيه الهَدْي القرآني "ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ".


هكذا تَمضي يا صديقي مستعينًا بالله، متسلحًا بالإرادة والإصرار على الكسل والخمول، فتتجنب كل ما يحفزك عليهما من رفاق لاهين كسولين، وتنتبذ تتابع اللّهو والركون لأهواء النفس؛ لأنّهما يجرّان مثيلهما، وتتلمس ما يُشعل فتيل العزم فيك من تحدٍّ أو هدف أو هواية أو شغف أو رفقة أو تجربة جديدة.


وقد يحفزك التفكُّر فيما ترغب أن تكون عليه بعد سنوات من مكان أو ما تتركه من بصمة وأثر لمُدافعة الكسل.. والانطلاق للعمل -وإنْ كارهًا- حتى تعتاده، وتتجاوز الملل فيه، وبعدما تُجبر نفسك على الاستغراق فترة كافية صدقني أنك قد تصل إلى مرحلة الاستمتاع بالعمل أيضًا؛ فالراحة واللذة لا يُدركان إلا بجسر من التعب، ومُعاركة طويلة للطباع. ويظل وعيك بالمشكلة أولى لَبِنَات حلِّها؛ فلا تأسَ يارفيقي فكل منا يُعاني في خندقه من معاركه الذاتية؛ فيظل في صراع مع أهوائه، فتارة يَغلب ويسمو على رغباته، وأُخرى يُغلَب فيكبو؛ وهنا تكمُن هِبة الحياة في هذا التفاوت في وتيرتها، وفي أن نعيشها على أنها تحدٍّ في الوصول لحل مشكلاتك ولو بعد مئات المحاولات والتجارب.


دلال المبارك



9 عرض