شعار مداد.png

آلة بشرية

يقولون بأني آلة بشرية، كُلّي أعضاء فقط لا غير. وتكمن ميزتي ببديع تكامل هذه الأعضاء، والعضو الأكثر تطوراً على وجه الخليقة؛ الدماغ البشري. يقولون ويكثر القول في ذلك، ونتوه نحن في التفاسير، وتنتهي حياتنا نبحث عن الصحيح من هذه التفاسير. متزعزعين بين قطبين؛ مادي بحت وروحاني بحت. ومع كل مستجد في العلم، يتجه العموم للمادية، ونتيجة لذلك، اضمحل الاهتمام بالروحانية. وأنا كغيري، خضت هذا المنعطف، واستمتعت بالحديث عن التناسق الخلقي الذي في الإنسان، وعن تفسير المبهمات بتفاسير جزمت يوماً بثبوتها ولكن؛ شيئاً كسرني فجأة في يومٍ ما، ولا أقصد كسراً في عظامي ولكني أحسسته كسراً، و نعم أحسسته.

غصت في عقلي الذي باهينا به أمام الخليقة، ورحت أبحث فيه عن تفسير لهذا الكسر، ولهذا الشعور. وجدت تفسيراً مادياً ولا أنكر، ولكن؛ شيئاً فيَّ لم يستكن، على عكس كل مرة أفوز بها بفكرة مادية.

ياه؛ أضحك الآن عند سماعي لمصطلح "فكرة مادية"، كيف جاء بها البشر؟ لا أعرف، هذا الشيء الذي ضللت أشعر به، ولا أفسره كسر في القلب.

لم تعجبني حالة الشتات هذه، واستمريت بالبحث عن سبب للاستقرار وتجاهل الشعور من جديد، غصت في الماديات، ولم أجد شيئاً، بل أن أشياء أكثر اعترتني ولم أستطع أن أفسرها. ضاقت بي نفسي، وكبست على أنفاسي الأفكار، هذا كله وجسدي تملأه العافية! هلكت روحي من هذا الضغط، وفي كل مرة أتذكر فيها أن الهلاك أحسسته في روحي لا في عقلي ولا جسدي؛ زاد بي الهلاك.

آويت إلى ركنٍ بعيد؛ هذه المرة بقرار اللا ماديات واللا روحانيات ولا شيء من هذه الحياة سوى أنا المجهولة؛ والأهم؛ بلا رغبة لمعرفة هذه الأنا!

لازمني هذا الشتات أعترف، ولكني سيطرت على توسعه. قضيت أسابيع في الفراغ، أنا والطبيعة فقط. فلمست شيئا لم ألمسه من قبل، قد يكون بسبب أنه شيء غير مادي، شيء في الهواء، أو الماء، أو السماء، أو في الصحراء، لا أعرف حقاً.

هو شيء لمسته خِفية، وأحسبه طيفاً، أو طاقة، أو معنى للفراغ، لا أعرف حقاً. ولكني استقبلته بروح مضيافة، راغبة بالتعرف عليه، بلطفٍ بلا سابق تصوّرات. أحسسته، أحسسته وفيه شيء من المادية، وكأنه رذاذ، براد، مطر بعد جفاف.


هو رسالة الكون لي، بأن كل مادي خاضع للإحساس، ولرؤية النفس له. وبأن شيئاً خفياً خفيفاً يغشى على كل شيء، ويخفى على إدراكنا المحدود. شيء يكسرنا، ويداوينا، ويقودنا ويملك كل ما فينا، بما فيه الجسد! شيء إن رحبنا به، دون اشتراطنا لفهمه، تقبلنا من خلاله الحياة وتقبلتنا هي بدورها. شيء ما إن "أحسست" به، بدون أن تملي عليه شروطك المادية المتسلطة، حزت على مفتاح الدنيا؛ الحكمة!


رغد النغيمشي




2 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل