شعار مداد.png

أبيض وأسود

فتحت عينيها بعد أن قضت ليلتها الأولى في ملجأ الأيتام، ألقت نظرة فاحصة على كل شيء حولها، مئات السُّرُر والفتيات، بدأن يومهن الأول في رهبة، حصص دراسية، ووقت للطعام، ثم يجيء وقت النوم.


كل شيء منظم بطريقة تُشعرها بأنها في سجن، اتجهت ذات مرة بطلب من معلمتها إلى القبو، وبينما هي تشحذ ممحاة السبورة، فطنت لمُسِنّ ماكثٍ في صمت وإطراق، ينادم لوحًا رُسمت عليه مربعات باللونين الأبيض والأسود، تسلل إليها الفضول؛ فاخترقت عزلته، حتى رضخ لرغبتها في فهم ما يفعله.


أغراها ذلك العالم المجهول، واعتادت التسلل بعدها بذريعة تنظيف الممحاة، وكانت في كل مرة تكتشف شيئًا جديدًا في عالم الشطرنج، فينمو لديها إلحاح شديد بالتمرن على اللعبة قبل النوم. تشحذ خيالها، وتلعب في ذهنها، والعجوز يزودها بالمعلومات، وشيئا فشيئا يكبُر شغف اللعبة معها.


جنبا إلى جنب مع تعلقها بالمهدئات التي كانت تُعطى حصصًا مقدرة منها، بعد فترة اكتشفت مديرة الملجأ هربها من الحصص للعب، فعاقبتها وحرمتها من الذهاب للقبو، تعاطف العجوز معها واتصل بمعلم موهوب ليعرض عليها تحدٍّ في نادي الشطرنج، ووافقت إدارة الملجأ، وخاضت اللعبة مع نخبة شباب النادي مع عدة رقع بالتزامن، وسحقت الفتاة الصغيرة أولئك الكبار البارعين جميعا.


بعد فترة استدعتها مديرة الملجأ في وجود والدَين قدما لتبنيها، لتُكمل الشطر الآخر من حياتها في بيت جديد، مع امرأة لم ترزق بطفل، لتكون بمثابة أم لها، عرضت عليها غرفتها الخاصة التي بدت مبهجة ومزينة بالألوان الزاهية، غلبتها الصدمة؛ هل يُعقل أن تكون ملكها وحدها؟!


مع مرور الأيام بدت الأم -لابنتها المراهقة- بائسة جراء ابتعاد زوجها -المدمن للعمل- وعدم قدرتها على الإنجاب وشعورها بعدم جدوى حياتها كامرأة،تمضي أيامها بلا معنى وهي تُنادم المهدئات لتخفف آلامها النفسية، فوجدتها الفتاة فرصةً لمشاركتها قنينة الدواء.


شيئا فشيئا بدأت تتضجر الفتاة من مصروفها الضئيل، وتبحث عن مصدر دخل تتمكن به من شراء فساتين عصرية، ورقعة شطرنج خاصة بها، لتقع على خبر لمسابقة شطرنج، فتغامر وتفوز على مستوى ولايتها.


بعد هذا الفوز تتحمس والدتها وتجدها فرصة لجني المال، وتضع نصب عينيها هدف استثمار موهبة ابنتها ماديا، تخوض معها شوطًا طويلًا من الجولات تفوز فيه على مستوى الإقليم، ثم تخوض جولات للشطرنج على مستوى العالم، لكنها تخفق في آخر جولة، وتعود لحُجرتها لتجد والدتها قد توفيت بسبب داء مزمن.


تدخل الفتاة في دوامة حزن مرير، خسرت أعظم شيئين الفوز، ومصدر الأمان والأنس والدعم، تتصل بزوج أمها الذي لا يبالي بزوجته حتى بعد رحيلها، يطلب من الفتاة أن تُكمل إجراءات الدفن، ويكمل حياته كأن شيئا لم يكن، سوى أنه عاد ليطالبها بالمنزل فحسب.


تمر الفتاة بمنعطفات نفسية بعد ذلك معالإدمان، الوحدة، العزلة، تعيد الكرّة بعد عام فتخوض تحدي الشطرنج العالمي، ليكون الفوز حليفًا لها هذه المرة، بعد كثير من المناورات على رقعتها التي كانت تمنحها الشعور بالسيطرة والنمو، لتعتلي هرَم موهبتها.


دلال المبارك




17 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل