شعار مداد.png

أثر الفراشة

بزّات صفراء تنتشر في الأرجاء، يُخيل إلى من رأها من على قمة هليكوبتر، أن الشمس لفظت شعاعها على الأرض، حتى صار الشعاع قطعة أصيلة منها. يقترب الأصفر ليختلط مع باقي الألوان، ليتوشح بسواد العباءات، ليُمسك بيده يدًا ويلوح بيده الأخرى نحو يد، يتمطى جسده الفراغ ويتخطى المجهول.


لم تتعب بناتُ الشمس من الركض نحو هذا وذاك، بل نلاحظهن -عبر ذات الهليكوبتر- يهدين الضحكات واحدةً تلو الأخرى نحو أي تجعيدة جبين، يمسحن بأياديهن البيضاء على كل متن يشعر بالوجل. يرقصن تارةً ويقفن وقفة الشرطي تارةً أخرى، حتى لا يغفل سواد العين من الترحيب بوجهٍ جديد.


هناك من يتلوّن منهن بلون صديق الزمان، يُهدينه إلى من يحتاجه في الغد، بكمية كبيرة لم يعهدها، وترمقُ عينيه الوليدة أرقامًا تتر أرقام، وتواصل التحديق من بعيد عبر خط الانتظار؛ تلك العبارات المهندمة بلباس أستاذ جامعي مرموق، وتطريز في كل مكان يقول أن هذه اليدين التي تعوّدت على نسخ سطور غيرها، ستكتبُ الآن من جهد خيالها وعمل ذهنها، حينها يُردفن: "لا تقلقين كلها سنة وتعدي وحنا معك دائمًا معك" ليتلوّن ذلك الوجه المستجد على حياة النضج بلون الحياة، ليتقلب حال المخافة إلى حال الطمأنينة وعيش اللحظة، ولا يستطيع سوى أن يقفز بجناحين ليُردد شكرًا في كل مكان.


على صعيد آخر هناك من يُهدي الوجوه الفطيمة مرآةً لتتحول بعد لحظة واحدة إلى وجوهٍ وقورة، يضحكن على العين الحوراء أو الميلان الأبله نحو الكاميرا، وأخريات يُتمتمن بالسخط على شكل النضج الذي لم يُعجبهن، حينها تُردف البزّة: "كلنا صورنا تضحّك وأنتِ بمرحلة ما تقدرين إلا تضحكين على شكلك" لتقول رفيقتها: "تراك بالطبيعة حلوة" ثم تتجاسر الشفاه معًا لتنبسط معلنةً عن حبات اللؤلؤ البشرية، وتنفرج ملامح الغضب بعصاهن السحرية إلى شوق نحو مرحلة جديدة، وتتحلى مشاعرهن بالشجاعة المندفعة بحرارة إلى جني ثمار مزرعة أحلام الطفولة.


هناك من يقود المسار قدمًا بقدم مع تلك الوجوه، ليوصلهن نحو محطات حياتهن المقبلة، تمامًا مثل منظر البطة وصغارها، يقطعن المحطة تلو الأخرى، ثم يصلن إلى الكنز المنشود في ذلك اليوم، الذي هو عودتهن إلى ذات المكان الذي قال لهن: "مرحبًا" -قبل ساعة- ليعود ويقول: "وداعًا" تضحك العينين التي نستطيع قراءة لمعتها بينما تقول: "شكرًا" بوضوح مع كل رمشة ترمشها، وأقول بدوري: "إلى لقائنا في الدرعيّة لا تنسونا" ويُغلق الباب الذي حوى شمس الأرض، ليذهب كل وجهٍ إلى طريقه حاملًا معه قبسًا من شعاع البزّات الصفراء، وينتظر العام القادم، إلى وجوهٍ وليدة جديدة.


هذه البزّة الصفراء مكتوب على ظهرها: عاون.

وهؤلاء الوجوه المرتبكة في ذلك اليوم هن الآن: خريجات جامعة الملك سعود العام القادم.

وهذا النص على شرف الذكرى الثانية لتجربتي مع فريق عاون التطوعي ودموعي تهطل تقريبًا.


العنود



20 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل