شعار مداد.png

أعلى الجبل



في قرية بعيدة يحيط بها بعض الجبال على الجانب الآخر من العالم ، كان هناك رجلٌ ضعيف الشخصية متذبذب القرارات واهن الطباع ، قرر أن يعتزل الناس والقرية، ويبني له حجرة فوق قمة الجبل؛ لأجل أن يعيش هادئًا بعيدًا عن التوتر الناجم من عيشه مع الناس، ولكن بعد فترة من سكناه للجبل نزل إلى القرية وأخبرهم بكل حزم أنه و بعد أن سكن فوق الجبل ورأى القرية من الأعلى بدا له كيف أن الأراضي وزعت بشكل عشوائي، وأن سكان القرية قد يتنازعون على بضعة أمتار من الأراضي الزراعية بينهم، رغم وجود أراضٍ قابلة للزراعة على الجانب الآخر من القرية ولا أحد يستعملها، ذهب القرويون إلى المكان الذي وصفه لهم ليتأكدوا من كلامه وهل تلك الأراضي فعلًا يمكن زراعتها، و كان كلام الرجلِ صحيحًا فاستغربوا التغير الكبير فيه، فلقد عرفوه واهنًا لا يكاد يقول كلمة على كلمة، ولم يسمع لرأيه قط؛ لكن لربما العزلة تفعل في الناس ما تفعل، اقترح الرجل أن يكون مسؤولًا عن الأراضي ويقوم بتوزيعها هو، استمع أهل القرية لطريقته في التوزيع قبل قبول رغبته واستحسنوا قوله، فلقد كانت قسمته عادلة، ثم ما لبث أن اقترح عليهم أن يكون رئيس القرية، كي يصلحها و يقوم أمرها، تشاور القرويين فيما بينهم و رأوا أن ذلك حسن، فلم يكن في القرية رئيس أو كبير ينظم أمور القرية أو يرجعون إليه في خلافتهم، ومن رؤيتهم لعدله وصواب رأيه في توزيع الأراضي، قرروا أنه لا بأس، كان الرجل رئيسا جيدًا بداية الأمر، و كان يرفض أن يسكن مع أهل القرية و كانت حجته أن رؤية القرية من الأعلى أفضل لأنها تعطيه صورة شاملة عما يجري، ثم أقنعه أهل القرية أن يسكن بينهم غالب أيام الأسبوع حتى يكون قريبًا منهم ويكون في قمة الجبل يومًا واحدًا في الأسبوع، وافق في البداية لكنه لم يلتزم ولم يكتمل الأسبوع حتى عاد إلى حجرته، ولم ينزل إلا ساعات قليلة، وظهرت عليه علامات الغرابة فيقول كلامًا ثم ما يلبث إن يقول نقيضه في جملته التالية، أو يصدر أوامر مثل أنه يجب أن يلقوا التحية على الشمس في الصباح، و على القمر في الليل، لم يتسنَ لأهل القرية فرصة أن ينحوه من منصبه حتى أتى وأخبرهم أنه لم يعد يستطيع أن يكون رئيسًا للقرية بعد الآن، ويجب أن يحل أحدهم محله، وقال: أنا زوج الشمس والقمر ابني، وفي إحدى الليالي سيقترب القمر كفاية من قمة الجبل حتى أستطيع أن أذهب معه، فأنا سأكون حاكم كل شي، وصعد الجبل إلى حجرته بلا رجعة، ظل بعض الفتية يصعدون الجبل ويتحسسون أمره ولاحظوا أنه في الليل يبدأ بالتفوه بكلام غير مفهوم مع شخصٍ غير موجود، وفي الصباح يخبرهم أن الموعد قد اقترب وفعلًا بعد عدة أسابيع ليلة نصف الشهر اختفى الرجل ولم يُرَ له أي أثر، حار أهل القرية في أمره، فلطالما عرفوه واهنًا متشتًا ثم فجأة أصبح حازمًا مقدامًا واثقًا مع بعض الجنون، لكنه قوي الكلمة، حتى أن أهل القرية شكوا في أنه لربما تكون هناك علاقة بينه و بين الشمس، بعد اختفائه ذهب الفتية الذين كانوا يستطلعون أمره إلى حجرته، فلطالما كان يقول أن المكان هناك مريح أكثر حتى من منزل عائلته، لكن لم يكن المكان يدل على الراحة أبدًا فلقد كان كل شي مبعثرًا وقذرًا، نظفوا المكان وقرروا أن يبيتوا فيه ليلتهم، لعلهم يطلعون على أمرٍ أو اثنين مما يرضي بعض فضولهم، قاموا بتنظيف الحجرة و تهيئة المكان لأربعتهم، وعند المساء أشعلوا النار لطبخ عشائهم وتدفئة المكان، كان وقودها أغصانًا وأوراقًا جافة متناثرة هنا وهناك بعد برهة قاموا بالضحك بجنون بلا سبب واضح كالسكارى بدؤوا يتكلمون عن أمور خارج هذا العالم، ثم ناموا من التعب، في الصباح نزل الفتية إلى القرية وأخبروا أهلها أن الرجل لم يكن كاذبًا وأنه لما اختلى بنفسه اختير ليكون زوج الشمس وحاكمًا لكل شي، لكنه كان يجب أن يهتم بالقرية ويرأسها كي يثبت أهليته، فلقد زارهم ليلة الأمس ليخبرهم بكل هذا ويكلفهم بمهمة أن يحولوا هذه الحجرة إلى حجرة الرضا، يدخلها كل شخص يشعر بشعورٍ لا يعجبه، شرط أن يشعل بخورًا من الأشجار في قمة الجبل ويجب أن يكون هادئًا ولوحده، فتخرج روحه لتتم معالجتها، و يجب ألا يخرج من تلك الحجرة حتى تعود روحه اليه، والفتيان الأربعة هم من سيكونون خلفاءه ويجب أن يشرفوا على غرفة الرضا، هذه القصة وجدت مكتوبة في أحد المعابد المبنية فوق إحدى الجبال على لوح حجري يقدر عمر الكتابة بألف عام، أيضًا وجد رفات بشري أسفل إحدى المنحدرات في شقٍ يصعب الوصول إليه، وبعد تحليله وجد أن عمر الرفات مقارب لعمر القصة المكتوبة، مما يوحي أنه قد يكون زوج الشمس وقد سقط من الجهة الأخرى من الجبل ومات دون أن يعرف عنه أحد، وسر كل هذا كان يكمن في الشجر الذي ينمو على قمة الجبل فعند حرق خشبه، واستنشاق الدخان يتسبب بالهلاوس التي تجعل الإنسان يشعر أنه يذهب لعالم آخر مضيء جدًا ويقابل أناسًا و حيواناتٍ ومخلوقاتٍ أخرى وحتى صخورًا أو أجرامًا سماوية، لكن كلهم بهيئة بشر، لكن في هذا العالم الخارج من الهلوسة يشعر المتعاطي و كأنه الأهم والأعظم والأقوى، كما حدث مع الرجل والفتية، ولذا سمي هذا المخدر بمخدر زوج الشمس.


جمانة الفراج


23 عرض