شعار مداد.png

أغطية بيضاء

تم التحديث: سبتمبر 11

تتسارع خطواتنا ونتبادل أرصفة الشوارع كالطيور في صدر السماء، أنا وأختي الصغرى في طريقنا إلى المدرسة، كنا ننشر السلام على كل عم وخالة نراهم من السوق المجاورة، كدنا أن نحلق من ارتفاعات وانخفاضات الطرق، وبالكاد وصلنا إلى العربة التي تصحب الراكبين إلى المدرسة، ولكنها انطلقت فأصبحنا نسارع الوقت للوصول إليها، رفعت أختي لكي تتمسك بآخر العربة، ناولتها حقائبنا وحان دوري في أن أتبعها لكن رياح عاتية أتت من جانبي الأيسر، الزمن يتباطئ والضوء يتعالى، وفقدت الوعي.


أشعر بالبرد يكتسح جوارحي، أمي ممسكة بيدي، أخبرتها بأن تدفئني كما تفعل عادةً لكنها منشغلة بشيء ما، أبي أتي متأخراً ثم سمعت صوت أمي يتعالى ثم أجهشت بالبكاء، حاولت إخبارهما بأني لم أقصد أن أتأخر على المدرسة لكن الأضواء منعتني من الذهاب، لكنهما عاقباني بالسكوت، استطعت أن أغادر السرير ووقفت بجانبه، نظرت إلى أختي وحاولت أن أرفعها من عند أقدام شخصٍ ما مستلقي على السرير ذاته، تبعت أقدامه لأرى هويته، لقد كان أنا، ابنهما البالغ من العمر عشر سنوات.


رجعت إلى العماء مجدداً، أشعر بأن هناك من يشد أطرافي ومن ثم تتعالى الأصوات وتهطل القطرات الدافئة على وجنتاي، شممت عطر أمي، أشمه دوماً عندما تتمني لي ليلة سعيدة وتطبع قبلة النوم، يبدو أنني نمت مجدداً، وأيقنت أنني تنت عندما رفع الغطاء ليدفئ جسدي لكن هذه المرة تبدو غريبة بعض الشيء لأن من رفعه لي قد غطى وجهي كذلك، لطالما علم أبي بأني لا أحب أن أغطي وجهي أثناء النوم، إنه يمنعني من أن أرى النجوم في سقف سرير أختي التي تقيم في السرير أعلاي، لكنهم غادروا وغادرت النجوم.


استطعت أن أرفع الغطاء ويبدو أنني قادر على الحركة لكن الغطاء لا يزال يلازمني، غادرت غرفة الطوارئ وأشعر بشيء يقودني، أری أشخاصاً يغطيهم الغطاء مثلي، كنا مسيرين، رجعت للعماء مرة أخرى. أبصر أقدامي وأشعة الشمس التي عبرت من خلالي، أرى والدي وأختي الصغرى حول طاولة الطعام، لم تصرخ أمي عليّ لأتناول الإفطار وعرفت حينها أنني غير مرئي، شاطرت معهم الأيام والمشاعر، طبطبت على ركبة أبي عندما استقال من عمله، عانقت أمي التي كانت تعانق ملابسي وتتحدث إلى صورې كل يوم، كنت بجوار أختي الصغرى عندما شدد والداي عليها حرصهما خشية أن تتركهما هي كذلك، كنت أحاول مساعدتها في حل المسائل الرياضية، رأيتها نلعب بالحديقة ثم تتمدد وتبكي بصوت عالي، حاولت أن أخرج لها وأن أوقفها عن البكاء لكن جدار المنزل وحده لم يعبر من خلالي، عشت معهم جميع اللحظات التي جمعتنا تحت هذا السقف، رأيت والدي يحصل على ترقية ويشتري حصانين، أسود كما فضلت أنا وبني اللون كما فعلت أختي، رأيت أمي تخبز كل صباح وعندما تصنع كعكة الليمون التي لطالما فضلتها أرى قطرات دمعها تتسلل إلى الخليط، ورأيت أختي الصغرى تفوقني طولاً وتصبح عالمة رياضيات كما أحببت أن أصبح.


لقد ظننت أني غير مرئي لكن الحقيقة أني أسكن في الجميع. عندما ينام الجميع أذهب للنافذة لأحدق في السماء ولمحت من يراني من المنزل المجاور لقد كان غير مرئي ويغطيه الغطاء الأبيض مثلي، غير المرئيون ينتمون إلى منازلهم، إلى حيث عاشوا لحظات حياتهم السابقة، كان كلانا حبیب منزله، لكن لا طائل من أن أنظر إليه لأني لن أصل إليه.


شعرت يوما بتراب الحديقة يدخل عبر النافذة، لم أشعر منذ مدة من الزمن لكني شعرت بالتراب، حاولت أن أعبث به والدهشة تتجلى برؤية أثري عليه، كنت أنتظر العواصف لكي تحمل لي التراب إلى الداخل ومن ثم أكتب به قبل أن يأتي أبي لتنظيف الأرضية، لكن الجميع على عجل لم يلاحظني أحد، فذهبت إلى غرفة أختي لأجد بعثرة التراب على منضدتها، رسمت زهرة الأقحوان التي تحبها بيأسٍ شديد موقناً بأنها لن تلاحظها، عادت من الخارج ووضعت ما تحمله أرضاً وجلست تحدق برسمتي حدقت بها بدوري محاولاً أن أقرأ تعبيرها، اغرورقت عينيها بالدموع ونفضت التراب، كنت أكرر فعلتي لكي تعرف بوجودي، وبعد محاولات عدة شككت بوجودي وأصبحت تنادي عليّ، لم أسمع اسمي منذ عشرون عاماً ورحت أبكي بدوري.


جلسنا نبكي سوياً كعادتنا دخل كلا والداي ونظرت إليهما ونظرا هما إليّ بدورهما فبكيت بشدة، وأتي كلاهما باتجاهي وفتحت ذراعي لهما و أنا أشعر بهما أخيراً لكنهما عبراني وعانقوا أختي القابعة خلفي. وبكيت شاتماً من عاقبني بهذا العذاب المتجدد، وبكيت لأيام لوحدي. أسمع أختي تخبرهما شيء ما لكنهما أصروا أن يذهبوا إلى الخارج فهذا المنزل يؤلهم جميعاً، بما فيهم طفلهم ذو العشرة أعوام، الذي لم يكبر أبداً كما تتمنى الأمهات.


رأيتهم يطفؤون شمعة أعوامي العشرين التي لم أعشها لقد أتم طفلهما عامه الثلاثين هذه السنة ورأيتهم يحزمون الأمتعة، ويغادرون. أتي الغرباء ليسكنوا منزلنا وقد كنت معذباً بكل دقيقة تفصلني عن عائلتي، ورأيت الغرباء يكبرون ويموتون ويغادرون، بقيت وحيداً في المنزل الفارغ، أنظر مطولاً إلى المنزل المجاور وينظر من هناك إليّ بدوره، وأثناء لحظات نظري الطويلة، فتح الباب وظهرت امرأة يكتسح البياض شعرها وتحمل كتباً، قالت أنت كما أتذكره تماماً، أتت جلبة خلفها، ذهبت للنافذة لأنظر ورأيت الكثير من الغرباء يحملون معدات غريبة ويحرثون الأرض ورأيت عربات الأقحوان، دخل کرسي يصدر أصوات مدوية تشبه أصوات عربة المدرسة، لقد كانت امرأة على كرسي فوق عجلات عربة. وعرفت من هي من خلال كعك الليمون الذي يتوسد حضنها ومغطى ببعض الأقمشة، لقد كانت أمي.


شعرت وكأن الله بعث روحي مجدداً و بكيت له شاكراً، لا أعلم كم أبلغ من الأعوام الآن لقد فقدت العد عندما غادروا ولم يتسن لي عد الشمعات بعد ذلك، استقر كلاهما ، لقد أصبح المنزل الذي أقطنه مفزلي الآن. مرت بضع سنين ممتن لها لكنها أخذت أمي متي للأبد، عشت مع أختي سنوات إضافية، كانت تتخذ علم الرياضيات ملجأ لها كانت تلقي وتشرح وتؤلف بصوت عال كدت أجزم أنها تراني، وأنها تلقيها لتعلمني وتشعرني بالسعادة، لقد نجحت بذلك.


بعد مرور خمسة أعوام طرحت أختي بالفراش، وعلى سريرها قالت بصوت طفيف، أعلم أنك هنا، شعرت بك منذ وقفت خلفي على منضدة الطعام، لكن والداي قد نعتاني بالجنون أخبرتهم بأنك كنت تحاول أن تشرح المسائل لي وترسم الزهور وتعانقني عندما أفتقدك، وعندما أيقنت بوجودك أصررت على أن يصدقوني وغادرنا المنزل تاركينك خلفنا، ذهبنا إلى المدينة وأتممت الدراسات العليا وعندما اقترحت أن نعود رفض والدنا أشد الرفض، وعندما شاء الله أن يغادرنا وساقوه الأقارب ليعيدوه إلى الأرض.. قلت لأمنا بعد فترة بأن تداوي فقدها ونعود، وافقت على عودتنا وإلى أنها في حاجة إلى الريف.. قالت اسمي بصوث عالٍ مجدداً بعد سنين طويلة، لقد أتممت عامك الخامس والستين، لقد كنت ولا أزال أشعر بك، وآذن لي أن ألحقك، لقد شعرت بشعورك أن تصبح لوحدك، لكني لم أستطع أن أصمد لخمسة أعوام، وهذا لأنك قوي كما أذكرك جيداً لقد صمدت خس وخمسون عاماً بعقلي. ستجتمع أخيرا سنجتمع.


أتي من يدفنها بجانب أمنا في حديقة الأقحوان، ومن ثم أتى الغرباء مجدداً بمعدات ضخمة وهدموا المنزل الذي يأسرني، منزلنا. ووجدتني أقف في حديقة الأقحوان، محدقا بصخرتين محفور عليهما الكثير من الأحرف والأرقام، التفت خلفي ورأيت ثلاثة أشخاص تغطيهم الأغطية البيضاء.


الجوهرة العتيبي




10 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل