شعار مداد.png

أماكنُ لها حَدَبُ الأمهات

دخلتُ غرفتي الجديدة، ألقيتُ نظرة فاحصة على مكان إقامتي، رغم مسافات الغربة التي تفصلني عنه، رتبت أغراضي التي أحتاجها، اخترت مكتبًا صغير أبيض اللون، مُلحقًا بأرفف للكتب التي سأصاحبها خلال تلك المدة، وحقيبة تتسع لحياة جديدة كاملة أتنقل بها بين المنزل والجامعة، كنت مستعدة بكثير من الفوضى التي تحتلّ ذهني، والمشاعر التي تعصف بي على هيئة أسئلة مثل: كيف هو شكل البدايات؟ وهل سأعتاد على هذا الكم من الأشياء الجديدة التي مَثُلَت أمامي دفعة واحدة؟ هل ستكون هذه الرحلة فريدة كما تصورت؟


من بين كل تجاربنا في الحياة، تأتي تجربة التغيير، في صورة الارتحال والانتقال، تجربةً فارقة في أيامنا وشخصياتنا، تجعلنا نحتك بكل ما لا يشبهنا من الأشياء، والأفكار، والأماكن، والتجارب، والأشخاص، فتقدح فينا إنسانًا آخر، ما كان ليظهر، لولا مَعْول التغيير، الذي يعرّضنا لعوامل النحت، ويصنع منا مثالًا حيًّا على الألفة بعد الاغتراب، والأنس بعد الوحشة، والمُقام بعد العبور، فنرى المكان بعينيّ إنسان يعيد رسم كل الصور من موقف الرفيق النديم لا عابر السبيل!


نفضتُ ذاكرتي العتيقة، تأكدت من أني وفّرتُ مساحةً كافية لاستيعاب كل ما هو جديد، أسماء جديدة، تجارب جديدة، مرحلة علمية جديدة، أسلوب حياة جديد يخلو من عائلتي، ومن كل ما اعتدته وألفته وكان يحتضنني بين جنبيه فيما مضى من عمري... حتى كبُرت وسلمتني أشيائي المألوفة، لمرحلة تتحدى مألوفاتي كلها، تستفز تلك الطفلة القابعة بين جنبي تارةً، أن تغفو.. وأخرى أن تفيق، لتصلني بقادم مغاير للتوقعات.


في اللقاء الأول لاحظت أن روحي تلوذ بكل سحنة تقاسمها الغربة، تبحث من بين كل الوجوه عن وجه يُضمر إرهاق السفر، وتعكس كُدرته آلام البُعد عن الأهل، وقد يبزغ في محيّاه أمل خافت -بين حين وآخر- بأعوام مليئة بتحقيق الآمال والتطلعات.


وجدت ضالتي في مجموعة من المغتربين.. تقاسمنا غربتنا، صارت حصة كل واحدة منّا ألفة صغيرة، تحدب على شعث أرواحنا الموغلة في استدعاء كل ما يؤلّف بينها وبين المكان، مع توجسها من كل ما يغرّبها عنه. بطبيعة الحال كنا حين نعالج الطرق الجديدة، وهموم المرحلة، نستدعي ذاكرتنا السابقة حول الأشياء المشابهة، هذه هي حيلةُ الإنسان لاعتياد الأماكن الغريبة، أو التشاغل عن إحساسه الفادح بهول الوحشة.


أحسستُ بقيمة الالتفاتة، والتربيتة، والتهوين لمشقة الانتقال ممن يصالح بيننا وبين العقبات، والمخاوف، وألم الحنين للأهل.. حين يكون الغريب أفضل من يتلقى غربة الآخرين ويحنو عليها، فتستأنس بحساسيته وتعاطفه النفوس الغريبة، ويسكن قلق كالجمر يشتعل في دواخلها، وهنا يكون التعليم تجربة إنسانية أصيلة قبل أي شيء، ومجدًا لا يضاهى.


أدهشني شعور غامض تسلّل شيئًا فشيئًا، شيء أشبه بالسحر، الذي بدأ يلقي على المكان سمَة ملامحنا، يترك رائحة أرواحنا هنا، وذكرى ارتباكنا هناك، صورة المطر في تلك البقعة، ورهبة مناقشة الأفكار على تلك الطاولة، يذكرنا بأنس الرفقة في مكان، وخفقات التحدي في آخر. بدأ ذلك السحر يسري بيننا شيئًا فشيئًا يخطف غربتنا، ويستبدلها بالألفة، مع الوجوه، الأماكن، الأفكار، والتحديات.. التي كانت تزرع مساحة من الهواجس والقلق، حول الإمكانات، والقدرات، فتبرّحنا وخزات ذلك المجهول، ثم ننتهي منه كل مرة بالتهلّل بالخلاص.


توطدت بيننا وبين الزمان علاقة فوقية، نلحقه، فيعطينا قفاه، ويجري لتكلّ أقدامنا عن مسابقته، ثم نصل لكن بعد كثير من اللهاث، والجزع، والآلام. لكننا كنا ننتصر كل مرة بالانعتاق من قيود المكان والزمان، الذين يذكراننا بأن الله سخّر كل شيء للإنسان، ليكون عونًا له في دروبه، هكذا كوّننا فلسفة جديدة عن أنفسنا، وعن الحياة، وعن الرفاق، وعن المرحلة. وهكذا شعرنا أننا كلما أضفنا شيئًا للمكان، صارَ المكان منّا، غدا إنسانًا قريبًا من الروح، وكلما صاحبنا روحًا فيه زاد رصيد ألفتنا، وشعرنا بأن لنا أهلًا هنا وهناك، وشعرنا بعد الاستكثار من اللحظات المشتركة بيننا وبين الأصحاب، أننا انتصرنا على وجع مرور الزمن، ولم يعد مؤلمًا كما كانت عقاربه تلسع غربتنا.


مع مرور الزمن وتوطّد الأواصر؛ أخذت الأماكن صفة الأمهات، احتضنتنا عندما غضبنا، واحتوتنا عندما كنا نهوي أرضًا من الضحك، صارت لها رائحة البيوت، ودفء طلّة الأحباب بعد غياب. قد تغضب الأم وتخاصمنا، وتهجرنا أيامًا، وترينا وجهًا لم نعتده منها، لكن ذلك كله كان لأجل أن نتعلم، ونصير أفضل مما كنا عليه، عندها عرفتُ أن الأماكن يمكن أن تكون حنونة كالأمهات.


دلال المبارك




15 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل