top of page
شعار مداد.png

إشارة حمراء

مع تأملي للإشارة الحمراء وتذمري من الازدحام المروري ظهر في بالي مشهد آخر حوار دار بيننا في غرفة المعيشة شبه المظلمة ونحن جالسان على طاولة الطعام المليئة بأواني العشاء الفارغة تقريباً، عندها صارحني بأنه يريد الزواج بابنة خالته التي كان يحبها في مراهقته، وأتبع بكم هائل من الإهانات مع نبرة تحقير لم أستطع تحملها، وأردف بذكر العشر سنوات التي قضاها معي وهو ينتظر طفلاً يبهج حياته، وكم صبر على سؤال والديه الملح لتأخر إنجابنا وكم الأموال التي أنفقها على عمليات أطفال الأنابيب الفاشلة وكم عرض نفسه لاقتراحات الأطباء وأدويتهم اللانهائية؛ لكن دون طائل أو جدوى، وأنه سئم مني ومن قلقي ووسواسي وأمراضي النفسية، وتذمر من مصروفات الأخصائيين النفسيين وعياداتهم.


في تلك اللحظة مع كل كلمة جارحة يقولها لي كانت ملامحه تتغير أكثر وأكثر إلى أن اختفت ملامح زوجي الذي أعرفه، أصبح شخصاَ غريباً لا أعرفه، استجمعت كل ما في ذاكرتي من سلبيات أعرفها عنه وكل موقف سيئ فعله لي وسردتها بأعلى صوتي وألحقتها بمزيج من الإهانات له ولأهله ولابنة خالته ولقبيلته كلها، لم يوقفني إلا صفعة منه، تهادت أمامي العشر سنين المليئة بالحب والوفاء والصبر والأمل والمودة والحب سنة تلو السنة، عمّ الصمت على غرفة المعيشة وكأن الزمن توقف، رأيت الندم والصدمة على وجه زوجي وكأن شخص آخر هو من صفعني، أعدت له الصفعة بكل قوتي ثم ذهبت لجمع أغراضي وأنا لا أستطيع الرؤية أمامي بسبب دموعي، حاول أن يمنعني بحضنه لي وتأسفه وبكائه، تلك أول مرة أراه فيها يبكي حلف لي ألف مرة أنه لن يعيدها ولن يتزوج ابنة خالته ولن يستسلم وسنحاول الإنجاب مرة واثنتين وعشرين، صددته بكل ما أملك من قوة، فلن أسمح لليد التي مُدت عليّ أن تلمسني مجدداً.


بعد انتهائي من جمع حقائبي بصعوبة بسبب رجفة يدي اتجهت للباب للخروج ولكنه وقف أمامي ورفض التحرك، استغليت الفرصة وصفعته مرة أخرى وانهلت عليه بالركلات والمسبات والشتائم التي عرفتها منذ ولادتي وحتى تلك اللحظة ولكنه لم يحرك ساكناً، توقفت بعد أن بُح صوتي وفتلت عظامي وقلت له وأنا أنظر إلى عينيه لآخر مرة أكرهك، فتبسم وابتعد عن الباب بكل هدوء، بمجرد خروجي جفت دموعي ولم أبكِ عليه بعدها أبداً، لا أعرف ما الذي ذكرني بكل هذا الآن لعلها بطاقة التهنئة التي وضعتها أخته في كل مواقع التواصل لكي أراها، تزوج ابنة خالته وأنجبا بنتاً أسماها فرح لعل اسمها يوضح حالته النفسية منذ تركي له، تحول اللون الأحمر للأخضر وأكملت طريقي إلى دار الأيتام التي أعمل فيها.


علياء العيسى



٦٣ مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
bottom of page