top of page
شعار مداد.png

إعلان الهزائم

أنصتُّ إليها وهي تتحدث بطلاقة عن أكثر تجاربها مرارةً، وكأنها تختزل ذروة ما تفخر به من سيرتها، في انتقائها تلك المواقف المؤلمة التي يشيح أحدنا عنها عادةً بمجرد أن تطرق مشاهدها ذاكرته أو مسامعه. ورغم أني لم أجد شيئًا يكاد يتفق عليه البشر سوى كتمان الهزائم، وإمعان دفنها في قاع لا تصل إليه أيدي التذكُّر، ولا نظرات المتطفلين، إمّا اكتفاءً للوم العاذلين، أو حفظًا لكرامة النفس، أو إيمانًا بأن ما فات من أحزان النفس وكروبها يُطوى ولا يُروى.


وبذلك تكون أيام الفرح -في تواطئ ضمنيّ- فرصة لإعلان الأُنس ثأرًا من جَوْر الأسى، فتُستبدل دمعات الحزن بضحكات الفرح، وتشاع الأنباء السعيدة بين الأحبة؛ ليؤرَّخ ميلاد جديد للإنسان، وتحققٌ -جدير بالتوثيق- لوجوده، فنجده لا يتورع عن إعلان هذه المناسبة والجهر بها؛ إذ ينتقي ويختار أن يُعلن من سيرته ما يفخر به ويعتز أن يضيفه إليه.


فهل هذه الانتقائية تسوّغ أن تكون المعارك الخاسرة مراحل نشعر بالعار منها، فنقتصها من سيرة خبراتنا وتجاربنا؟ ونتحاشى المواجهة معها فننكر أنها علمتنا أفضل ما نحن عليه اليوم مما لن يعلمنا إياه دهرُ رخاءٍ؟ لماذا لا ننتقي يومًا نختار بوعي أن نعلن فيه أن كل هذه الخسائر التي أكسبتنا ربحًا لم تمنحنا إياه أكثر إنجازاتنا الباعثة للفخر؟ وقتًا نستقطعه من عمرنا فنسرد فيه قائمة الهزائم ونحن نتأمل المغزى الذي لم يكن ليصلنا لولا أن قدّرها الله لنا، ونستشعر فيه كَمْ أمدتنا تلك الخسائر بالصلابة والقوة، وشدّت عُودنا، وزودتنا بزاد من الحكمة نواجه بها ما يعقبها من اختبارات الأيام.


ولئن استشعرنا ذلك كله لعجبنا من هذا النكران الذي نلقى به الهزائم، وكأننا ننسب لها من المساوئ ما تنوء به أيام الرخاء، ونحجز عنها من المحاسن، ما لم يكن فيه فضل ليوم رتيب، أو سويعة احتفال بإنجاز أو مناسبة بهيجة.


أظن أنه قد آن الأوان أنْ نرتب كل هذه التجارب التي مررنا بها دون أن نتجاهل ما آلمنا منها، ونلتفت لكل هذه الهزائم المتراكمة التي واريناها في صدورنا؛ فكدنا نختنق بها، لنفسح المجال لتلك الحكايات المكبوتة أن تتنفس النور وتُغذي بصيرتنا، وبصيرة من حولنا.


هذا ما علمتني إياه امرأة كانت تختزل سيرتها في أشدّ أيامها صعوبة، تنتقيها كما تَسْتَلُّ غبار الذهب من التراب -لا لتُعْوِل أو تولول- إنما تسردها باتزان فتخلّد ذكرى نضجها بهدوء ظاهرٍ وابتسامة واثقة، وكأنها تنسب لمواسم الأسى فضيلةَ أنْ استخرجت من ذاتها أفضل نسخة ممكنة.


كل ذلك دفعني للتفكير؛ هل يمكن أن ينعطف مسار قصص الإلهام يومًا لتكون منبرًا لتقديم حكايا نُكاشف فيها الآخرين عن المنعطفات المفصلية في سيرتنا، والحفر التي كادت تبتلعنا في مسيرتنا، لنفصح للآخرين عن تلك الهزائم الصغيرة التي علمتنا كيف نواجه خيباتنا، ولكيلا نُغفل تلك الدموع المهدرة أسفًا على ما فات وخرج من حدود السيطرة، ولنعلن عن أكوام مسوّدات الخطط العشوائية التي رسمناها تحت ضغط المسؤولية المُلِحّ في إصلاح ما أفسدته الحياة، إيمانًا بأن للحكاية حروفًا ناصعة، وأخرى قاتمة؛ نحلّق بهما معًا في فضاء ننسج به روح الحكاية.


أقول كل هذا أُسوةً بلحظة صدق وتواضع وثقة طرقت قلبي، ممن لا زلتُ أقلّب موقفها المغاير بالنسبة لي من الهزائم، والذي ألهمني أن وجه الحياة الكالح العبوس ليس باعث شؤم، وإنما هو حزم القلب الحنون الذي سيعلمنا الضحك في عمق الأزمات يومًا ما بعد أن يربّي صبرنا ويشدّ أزرنا بحزمه.


أجدها مناسبةً ملائمة لنغيّر منظورنا للهزائم والخيبات، ونتصالح مع مواجهتها والحديث عنها، أن نُعِدَّ من خلال تلك الحكايا بشجاعة لولادتنا من جديد بعد كل أزمة، ولا ننسى -اعترافًا بما عوّدنا الله به من جميل- أن أكثر انتصاراتنا ألقًا في مسيرتنا -لو تأملنا- هي تلك التي تلت أكثر الهزائم عتمة في حياتنا.


دلال آل مبارك



١٧ مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
bottom of page