شعار مداد.png

الآخر



هدوء غريب يعم ساحات بيتنا البالي، والهواء يضرب النوافذ المتصدعة بقوة، الذكريات تُلبِس مكتبة أبي ثوب الضجر، العالم محض ورقة تدعسها أرجل المارة، إنه يرى العالم بصورته النتنة والمملة. أما عن صرخته فهي معلّقة، لا تعرف كيف تتحرر وتخرج آمنة، إنما هي في جزء من العالم مليء بالاضطهاد، غير قادرة على طلب النجدة والمقاومة أكثر، لم يكن مرئيًا ولا قدرة له ليتصالح معه. لقد فضّل الهروب إلى الكتب، إلى حصنه الأدبي، وخلق عالم موازٍ دون أن يحشر أحد أنفه به.

هكذا كانت تجري الأيام معه، ما إن يدخل مكتبته الموجودة في العلية، ذات الأثاث القديم، والكتب المبعثرة على الأرض، كتب خنقها الغبار الموبوء بالوحشة والخوف، تصرخ تستنجد هي الأخرى، لكن أبي لم يسمع أو أنه تعمد ذلك، كل شيء فوضوي، كما لو كان بلا أحد، ما إن يلج عالم الكتب، ينسى دوره الأبوي في البيت. يرى أن توفير الاحتياجات المادية هو المهم، أما أن يخالط أبناءه، ويجلس معهم سامعًا براءة مشاعرهم نحوه، فهو أمر لا نفع منه. لكني كنت أريد أبي، والحديث إليه، لا مع ظله المتأفف من الحياة، صحيح أن الحياة في كثير من الأحيان لا تتماشى مع رغباتنا، وتصفعنا مع كل التفاتة لنا، لكني لم أفهم غضب أبي عليها، ولا الصراع المستمر الذي يخوضه معها.

ذات مساء وقد كان مختلفًا عن باقي المساءات، استجمعت شجاعتي محاولةً إشباع جوع الحنان الذي تفتقده الطفلة الساكنة داخلي، جئت إلى أبي أخبره أني مشتاقة إليه، إلى الرجل الذي يشتد به ساعدي، إلى ابتسامته الدافئة وعينيه الناعستين ذات اللون البني كالعسل الصافي، لا الباهتة التي قد خف بريقها، اختلست النظر ساعة كاملة ثم دفعت رجلي للتقدم بثقل شديد، ركضت مسرعة إليه، فطبعت على خده قبلة صادقة مغلفة بالخجل، نظر مدهوشًا، حتى إن ملامحه أنستني ما عزمت على قوله، تبادرت إلى ذهني أسئلة كثيرة، أفكاري صارت مبعثرة تمامًا مثل مكتبته...

أول ما لاح لي تساؤل أمسكت به وطرحته:

- كيف يكون المرء حرًا وهو يرتب خزانة أحزانه؟

قال:

- يحمل أمتعته إلى المنفى الذي يحن إليه.

أبي آمن بوجود المنفى رغم أن من يحبونه حوله! وهم أكثر الذين يرجون عودته على أحر من الجمر. كرهت تلك اللحظة التي تعلقت بأمل زائف، وأني قد أحصل على أبي مرة أخرى، الأمر الذي جعلني أحنق على العالم أنا أيضًا. سلبني العالم أبي وهو لا يزال حيًا، أن أرى جسدًا يتحرك بلا روح، بملامح واجمة دائمة العبوس، أسمع صوته المسموم بالوحدة، معنى أن تمسك أغراض شخص حي ماتت فيه الحياة.


نهى فقيهي



26 عرض