شعار مداد.png

الأم ميگا

في زمنٍ قارصٍ تجفُ فيهِ الحقولُ وتذبلُ الأرواحُ ظمأً للعناق. زمنٌ يولدُ فيهِ الأطفالُ دونَ أمهات.

كانوا نساءَ ذلك الزمن يتم تربيتهم على دورةٍ زمنيةٍ واحدة خالية من المشاعرِ

" الزواجُ..الإنجاب..الموت ".

يتم إيهامهم بشعاراتٍ رنانةٍ كـ" الموتِ للحياة، تذبلُ لتغرس.. ". واندثرت كثيرٌ من الكلمات والمفردات كـ" حنان، رهفة، دفء، عطفٌ ورقة.. ". فلم يستطيع الإنسان أن يلمس معناها يومًا، يتمُ احتواءُ الأطفالِ والمرملين في مناطقٍ معزولةٍ عن بعضهم البعض.

أحدُ المرملين هو المهندسُ "واهن"، الذي تربى على القراءة من مكتبة " الخيال " كما صنفتها حكوماتُ ذلك العصر. تحتوي هذه المكتبة على كتبٍ ومسرحياتٍ وقصائد كـ"أحن لخبزِ أمي"، "الحضارة أمي"، "الأمُ شجاعة وأبناؤها". كان يتلهفُ "واهن" لتعرفِ على هذا الكائن الملائكي الذي يفوق مخيلتهُ المقيدة إثر مرارة ذلك العصر.

كان يتحسسُ جوعًا في أطفال ذلك العصر..جوعٌ بعيدٌ عن الشبع المادي..كان يشعرُ بشيءٍ ناقص وبالرغم من الغنى التي تمرُ بهِ الدول والتطور الاقتصادي بسبب قلة سكانِ العالم الا أن هالة النقص يستشعرها الإنسان دون علمٍ عن مصدرها.

- همهم لنفسهِ مفكرًا " علي خلقُ ما تسمى بأم، فالعالمُ يبدو ورديًا في تصورِ هذه الخيالات.. ".

وبدأ يبني هيكلَ صفائحيًا مصورًا شريكته السابقة " حور ". طبعًا لم يفكر قط بالفروق الشاسعة بين الآلة والإنسان فالمرأة في هذا العصر يتمُ التعاملُ معها كالجذعِ الجاف. مجحفين بحقِ هذا الكيانِ العامر.

بنى المهندسُ الآلة مستندًا على أوصافها المادية في القصيد، كالقوة والدفء والرفق.

حينما وقف أمامها، انعكسَ وجههُ على الحديدِ الباردِ وتذكر القولَ المنشودِ في قصيدةٍ قرأها يومًا

- " أما ألقيت رأسك فوق حضنٍ ......حنون خافقٍ بمحبة الأم؟؟

فدعني من نعيم الخلد إني ...... نعيمي بين ذاك الصدر والفم تربتني كعادتها برفقٍ ...... وتنشد نم يا حبيبي بالهنا نم ".


ألقى رأسهُ وأمر الآلة بعناقهِ وبعثَ حديدها البارد دخانًا دافئًا أشعر جسدهُ بشعور دفءٍ مماثلٍ لما يبعثهُ موقدُ النارِ بعد نهارٍ بارد. لم تكن تلك الصفيحةُ بديلًا يومًا عن الأم، ولكن منافعُ الجهلِ بتلك النعمة جعلت من ذلك الموقدِ المتحرك أمًا.


عبدالله السبيعي





7 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل