شعار مداد.png

الاعتذار المُميت

أسكنُ مع أمّي في حيٍّ شعبيّ، كنّا نعيش معًا وثالثنا الفراغ، رغم حالة الحيّ البائسة والمأساويّة وحالات الغضب غير المبررة نتاج الفقر وقلّة ذات اليد كنتُ الفتاة المُدللة، كانت ماما تلتقط أمنياتي قبل أن أفكّر بها، تحقّقها قبلَ أن تنمو قبل أن تمرّ كخاطرة.

أذكر زميلاتي في المدرسة ينظرن لحقيبتي الباهظة، ثمّ ترتدُ أبصارهن بطريقة تلقائية لحقائبهن الموحلة، كانت أكثرهن حظًا من ورثت حقيبة شقيقتها الأكبر، تخبرني صديقتي أني محظوظة جدًا، يوافقنها؛ لأن مقتنياتي أمنيات بالنسبة لهن وأنا أتخلّى عن أشيائي مقابل يومٍ واحد مع عائلة كاملة كما أقرأ في الكتب، وأرى في الرسومات.

تقتلني لحظة خروجي صباحًا بمفردي، لا أمسك بيد والدي، لا يودعني، أسير وحيدة مثقلة بحزني، بنقصي، بتميزي عن بنات الصف، ثمة نقصٌ غير مرئي وهذا ما يزعجني، كلهن يجدن من يتألم لأجلهن، من يرأف بهن، أما أنا، مظهري الخارجي كامل، أكره الكمال، أكره الترف، أكره الثراء، أكره صمت أمي، غموضها الغريب، غضبها المُرعب، عندما أسأل عن العائلة، عن الأب الذي يلحق اسمه اسمي، أنقشه على دفاتري دون أن أعي معناه أو أشعر به.

أكره مغادرة المنزل ومغادرة المدرسة، كلاهما يذكراني بوحدتي وحيرتي.

هل يكرهني؟ هل يحبني؟ هل مات؟ تساؤلات وحزن عميق يؤدي لطريقِ النقصِ الدائم الذي تحشوه أمي بالحلوى واللعب، تكبر الفجوة وتتسع، لا تستطيع الهدايا سدّ الفجوات، أسدها بالكره، أكره أمي التي تخبرني دائمًا أننا ولدنا من الفراغ، لا ننتمي لمكان أو عائلة.

***

اليوم جاء البوّاب الجديد سلّم عليّ، عرّفني بنفسه، كان كبيرًا، لا أعرف عمره بالتحديد، ولكنه في عمرِ الآباء، يتقرّب مني، يهتم بي، لأنه لم يرزق بأبناء، كلانا وجد في الآخر علاجه.

-صباح الخير يا ابنتي لماذا تنزلين وحيدة؟

-صباح الخير عمو اعتدت أن أنزل بمفردي.

- من اليوم فصاعدًا أنا من سيوصلك للمدرسة.

- مرحى مرحى رددتها وأنا أمسك يديه بقوّة السنوات الفارغة من هذا الترف الإنسانيّ.

- سأنيب أحدهم ليهتم بأمور السكّان ريثما نعود.

ـ حسنًا.

شيءٌ ما يرفرف بداخلي، مشاعر جديدة وسعادة مطلقة .

تعمّدت الدخول معه للبوابة مثل زميلاتي، أريد أن يراني الجميع لأول مرة ويدي ممتلئة .

دخلت المدرسة بفرحة لم أختبرها من قبل!

انتهت ساعات الدراسة وسعادتي الصباحية تلازمني، خرجت ووجدته أمامي، تسمّرت في مكاني أحدهم ينتظرني، ويحمل حقيبتي.

رجعت للمنزل أخبر ماما بعمو البوّاب، لكنها بدت غاضبة جدًا، تتحرك جيئة وذهابًا بطريقة تنم عن غضبٍ قادم.

سكتُ خوفًا، ولكنها قالت بلهجة تحمل تهديدًا صريحًا: كم مرة أخبرتك ألا تذهبي مع الغرباء .

ماما ليس غريبًا، إنه حمل حقيبتي، وأوصاني بالمذاكرة والاجتهاد.

صرخْت ماما: لا أريد أن أسمع أي كلمة أخرى، لا تجادليني!!

ذهبت باكية، ففرحتي الأولى قُتلت باكرًا .

في اليوم التالي وبّخت أمي البوّاب بشدّة، وأمرته ألّا يتدخل في شؤوننا.

كان منكسرًا بطريقة غريبة، رغم صغر سنّي أدركت أن تصرفه غير اعتيادي.

قبّلني وأخبرني أنه سيأتي عند خروجي من المدرسة، ابتسمنا خلسة وسرقنا فرحة صغيرة.

مرّت الأيام وهو يهتم بي، يشبع أبوته، وأشبع نفسي دلالاً دون علم أمي، لسنوات ونحن نكبر معًا. رغم فارق السن الكبير لكننا كنا أصدقاء، يفهمني، يفهم نظرتي عندما أخبره أني سأترك دروس التقوية ونخرج معًا.

اليوم وبشكلٍ مفاجئ شعرت برغبة غريبة في نعته "بابا".

قلت له بابا، ارتعش، وضحك، ضحكت واعتذرت، أخبرته بأني أخطأت.

كما لو أنّ نطقها جريمة.

ذهبنا معًا، كان سارحًا لم أعهده هكذا منذ عرفته، أخبرني أنه متعب ويريد العودة للعمارة، عدنا تلبية لرغبته.

نمت واستيقظت على جلبة شديدة "البوّاب مات"!!

ماذا؟ تكذبون! لم أعرف سبب حزنه، لم يمهلني، لقد خانني، لماذا رحل بسرعة؟ أصرخ بجنون، أبكي بكاء السنين الفارغة منه، كيف يرحل بعد أن أحببته، تصرخ أمي في وجهي، تستغرب نحيبي وفجيعتي.

وفي حزني لمحت ارتباكها، أخبرتني أنه ذهب بسيارة الإسعاف وسنذهب لنراه، دخلت غرفتي أتحسس الفراغ الكبير الذي تركه.

حينها سمعت صوت أمي تحادث أحدهم في الهاتف، وتهمس: "تعالي بسرعة، والدها مات، لا أريدها أن تعرف السر الذي أخفيته لسنوات، جاء للعمارة كي يُفسد حياتي، لا أريد خسارتها، من خانني يجب معاقبته بحرمانه من طفلته، وأن يعيش بوابًا من أجل رؤيتها، لقد انتصرت يا أختي، مات دون أن تناديه بابا!!"

شعرت بالقشعريرة، قتلت والدي باعتذاري، قتلته باعتذاري!!

دخلت أمي فزعة، كُشِف سرّها.



سارة هزازي

114 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل