شعار مداد.png

الحزنُ لنا يا مريم والخوفُ علينا

أكتبُ عنكِ الآن يا مريم ولا أعلمُ في أيّ سماءٍ تهيمين ومن أي زاويةٍ إلينا تنظرين وعلى أي ركنٍ تستندين؛ ولكن مما لا شك فيه أنكِ قد آويتِ إلى ركنٍ شديد فلا خوفٌ عليكِ اليومَ ولا أنتِ تحزنين ..

الحزنُ لنا يا مريم والخوفُ علينا ..

***

جاءت مريم كالهدية لوالديها بعد أربعةِ صبيان .. وُلدت قبل بزوغِ الشمس بثوانٍ معدودة؛ فحلّ نورها محل نورِ الشمس .. واختبأت شمسُ الكونِ خجلًا وراء الغيوم وانهمر المطر حتى أواخرِ الليل..

منحها الله نصيبًا متواضعًا من الجمال الخارجي بينما تكدست كل معاني الجمال الحقيقي بداخلها.

كانت كلما كبرت سنة ازدادت نورًا فوق نورها .. حتى أنّك تضطرُّ لفركِ عينيك حين تنظرُ إليها لعلكَ ترى شيئا من ذلك الجمال بوضوح..

أتمّت مريم حفظ القرآن وهي في السادسةِ من العمر ثم أتقنتهُ بالقراءات السبع .. حفظت الحديث و رواةَ الحديث و رواةَ رواةِ الحديث والمتون والمعلقات وأنشدت القصائد المحمدية ..

سمعتها ذات يومٍ تُنشد :( وأجملُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني .. وأطهرُ منكَ لم تلدِ النساءُ .. خُلقتَ مبرّءًا من كل عيبٍ .. كأنكَ قد خُلقتَ كما تشاءُ ).. ومن جمالِ صوتِها؛ كلّ ما فيكَ يَصمِتُ ويُنصت لعلهُ يتشرب تلك النبرة الدافئة ويحتفظ بها أطولَ فترةٍ ممكنة..

كانت عندما تتحدث تُشعرك بأن كلماتِها سفنٌ تُبحرُ بكَ في محيطاتٍ بعيدةٍ لا تخطرُ على البال..

تسقطُ كلماتُها على القلبِ مباشرةً وتستقرُّ هناك وتدورُ في خلدك فترةً من الزمن.

أذكر أنني سألتها ذات مرةٍ عن أُمنيتها .. فابتسَمتْ وقالت أنه من غيرِ العدلِ أن اسألَ عن أمنية واحدة !

كررتُ عليها السؤال بصيغةِ الجمع... قالت: "أريد أن أمشي بثباتٍ حتى نهايةِ النفق" .. قاطعتها بسؤالي :"ماذا لو أنكِ لم تجدِي النورَ في نهايةِ هذا النفق؟" .. فأجابت أنه لا بأس بالعودة من حيثُ أتت ..

قالت: "أما عن أمنيتي الثانية فهي أن أكتب سلسلةً توضحُ قواعدَ الحياةِ المخبأة في آيات القرآن، أريدها أن تكون مرجعًا لكبار العلماء "..

أردَفتْ بعد برهةِ صمت: "لكني أرى في ذلك حِملًا ثقيلًا وأنا في هذه الدنيا أريدُ أن أتخفّفَ يا شيماء .. أن أصعدَ إلى ربي ليس لي ولا عليّ "..

ثم أخبرتني بأمنياتٍ أخرى كثيرة إلا أنني لم أنتبه لما قالته .. كنت أفكر في معنى أن يصعد الإنسانُ إلى ربه "خفيفًا " لا لهُ ولا عليه ..

*

كانت مريم تُتقنُ التطريز .. تراها منحنيةً على الخيط والإبرة لساعاتٍ طوال ثم ما إن يحلَّ منتصفُ الليل حتى تهبُّ من مكانها وتختبئ في غرفتها.. يظن الجميع بأنها نائمة لكنها ليست كذلك!

تذكرني بـ "سندريلا" و هي تتنبّه للساعة في تمام المنتصف ثم ترتبك وترمي كل ما في يدها وتركض إلى وجهتها، ولطالما تساءلتُ عما تفعله في تلك الساعة، حتى غلبني الفضول وسألتها .. فقالت : (يا شيماء، لكلٍّ مني نصيب .. ولهُ النصيبُ الأكبر، ولهُ كل الحياة )..

لم أنسَ إجابتها تلك حتى هذه اللحظة !

في زمنٍ ترى الناسَ فيه يهرعون ويتهافتون على قشور الحياة؛ كانت مريم تطير وتسمو للأعلى. لم ترضَ يومًا بالأرض ومن عليها، وتجسّد في قناعاتها المعنى الحقيقي لـ (( كل الذي فوق الترابِ ترابُ ))..

أما عندما تزوجت .. فأكادُ اُجزم بأنها أجملُ عروسٍ رأتها عيني .. كانت ترتدي عباءةَ الحياء، لم يكن فستانًا أبيضًا الذي يغطي جسدها الرقيق ... كانت هالة من النور والسرور والأمان والاطمئنان والسكينة.

وكنت أتساءل، أيرى زوجها ما نراهُ نحن؟ وإن كان يراه فكيف له أن يخترق هذه الهالة المشعة؟ كيف يُسقِطُ نظرهُ على نظرها وهي بكل هذه الهيبة والوقار والثبات؟

إلا أنّه كان واضحًا على الرجل علامات الربكة والتخوف .. كيف لا وعروستهُ كحصنٍ عتيق لهُ بابٌ إن استطعتَ فتحهُ دخلتَ ولم تخرج إلا وأنتَ تشعرُ بأنك متقلّصُ الحجم ! صغير لا تُرى بالعين المجردة ..

بعد زواجها بسنة ... قبل رحيلها بيوم..

بينما هي منهمكة في التطريز .. رفَعتْ رأسها وقالت لأمها بأنها إذا مرِضتْ يومًا، لا تريدُ أن يفحصها أحد ولا أن يلمسها أيُّ طبيب .. لا تريد أن تمسّ جسدها لمسةٌ من غير حلالها الذي أحبته ..

ثم عادت تُراقص الإبرة والخيط على قطعةِ القماش بكل خفة.

لم تعقّب الأم على كلام مريم .. لأنها ظنت أن ذلك مجردُ تعليقٍ عابر أو ربما محاولةُ استعطاف !

في تلك الليلة، فعلت مريم ما تفعلهُ كل ليلة ..

بعد المنتصف، اختبأت في خُدرها .. وارتقت بروحها للأعلى .. وعندما عادت إلى الأرض بعد شروق الشمس.. حلّت بجسدها حمّى عنيفة.. كانت ملقاة على الأرض وكأن حرارةَ الكون كله قد تكدست في لحمها .. تتنفس بسرعة كالطفل وصدرها يرتفع ويهبط وجبينها يهطِلُ مطرًا..

عندما وصلوا بها إلى المستشفى .. وجدوا أنها تنزف من الداخل بغزارة .. كانت أحشائُها تتغطى بالدماء شيئًا فشيئًا.. فنقلوها على طائرة من مستشفى القرية إلى أحد مستشفياتِ المدينة .. ألقوا بجسدها الساخن بعنف من الطائرة إلى السرير الأبيض وركضوا بها سريعًا في ممراتِ المستشفى..

عندما كشف عليها الأطباء - مخالفين بذلك وصيتها - قالوا بأن جسدها يسبحُ في الدماء وأنّ الأمر قد خرج عن السيطرة منذ مدة !

قال الطبيب بأنّ شريانًا رئيسيًا تمزق من شدةِ الحرارة ثم لحقت به الشرايين الأخرى واحدًا تلو الآخر.

بدت الأحداث داخلَ جسدِها وكأنها مرتبة ومخطّطٌ لها .. كل ما بها كان يتفتّقُ تدريجيًا وينزف ويفيض حتى غرق جسدُها بالكامل ورأينا الدماء تسيلُ من أنفها و أذنيها وفمها، وكلُّ فتحةٍ في جسدها كانت تقطرُ دمًا ! حتى جفّ جسدها تمامًا ولم تبقَ فيه قطرة !

في نهايةِ اليوم .. انسلّت روحها بسلاسة، وأصبحت مريم جثة خفيفة وجافة ملقاةً على سريرٍ أبيض..

رأيتُ زوجَ مريم يجثو على ركبتيه ويبكي بحرقة.

يبدو بأنه مازال تائها بداخلها ولم يجد طريقَ الخروجِ بعد ولن يجدهُ أبدًا.. سيُدفن معها ويبقى حبيسَ جثتها حتى قيام الساعة.

أما أنا فكنت أتذكر كلامها وهي تقول (( أريد أن أتخفّف)).

وهاهو جسدها قد تخفّف فعلًا .. استفرغ جسدها الطاهر دماءَ الدنيا الثقيلة بكل ما فيها من ذنوبٍ وهموم وذكريات .. وسوف يسقي الله عروقها بماءِ السماء.

لم تكن تلك مريم بنت عمران... ليس أبوها نبي و لا أمها قدّيسة ؛ لكنها كانت مريم التي حفظت فرجها وقنتت لربها واتخذت من الناس مكانًا شرقيًّا تسمو فيه بروحها للأعلى بينما يلهو الجميع في الأسفل.


شيماء بكران



11 عرض