شعار مداد.png

الحكم : مؤبدٌ في زنزانةِ الخطأ.

قبالَ المعبر تكدسَ المساجين، يحومُ بهم العرقُ والدنس ينتظرون الموت. رنت أجراسُ القلعة وصرخَ العسكر بتجهم

: (( قفوا ثلاثةً..ثلاثة )).

فصطفوا متراكمين بلا عدد ودخلوا المغسلة، لتندفَ عليهم المياه الباردة فتطفئ حريقَ قلوبهم. كان "ساري " يتنعمُ بغسلتهِ الأخيرة..متشوقًا للقبر، ليلةٌ دونَ ذنب تلهفَ لها ضميره المتأخر، أن ينامَ للأبدِ دون الاستماعِ لصراخِ ضحايا يده. روحهُ المذنبة تتلهفُ لسبات دون قيام.

خرجوا والهواءُ يضرب بأضلاعهم واجبروا على تقبيلِ عملةِ الامبراطور، اصطفوا صفًا واحدًا ليرموا في حفرةٍ تتسعُ لجثثهم أجمع. ورشَ الوقود ثمَ اشتعلَ الفتيل، صراخٌ لا يعلوهُ صراخ وأجساده يكسوها الدفء القاسي. أنارتَ النيران ظلمةَ القلعة وكأنما توسطت شمسٌ دجى الليل الحالك.

انطفئتَ وتحولَ ركامُ العظام لرماد. (( مالذي يحدث؟.. )). تسائل " ساري " : (( ألا زلتُ حيًا؟..كيف؟..كيف لي أن أنجو من ذلك الحريق؟ )). ليلقي نظرةً على يدهِ فيجدها شفافةٌ ذات لونٍ لؤلؤيٍ باهت. يطوفُ وحدهُ بين بقايا الجثث ويصرخ : (( هل من أحدٍ هنا ؟ )). لا أحدَ يستمعُ له. نزلَ مجموعةٌ من الجنودِ لتنظيف الوادي والتأكدِ من أي حالةِ نجاة، وقفَ أمامهم " ساري " ولم يلحظوا وجوده. صفرَ أحدُ الجنودِ ونادى: (( لم ينجو أحد! ..لا أحدَ سوى العظام ونيرانٌ لم تنطفئ بعد )). كان "ساري" يقفُ أمامه ويبكي يرددُ بحرقة: (( أنا هنا..أنا هنا )). وبعدَ ساعاتٍ طويلةٍ من استيعابِ الموقفِ، غادرَ "ساري" واتبعَ موكبًا يخرجُ من أبواب القلعة، لاحظَ "ساري" أن أحد الجنود يمسكُ بخنجره الخاص وثوبه البالي منذ الليلةِ الأولى وظل ملتصقًا بذلك الجندي يتبعهُ أينما يركب، حتى وصل لوجهته. منزلٌ قديمٌ يضجُ بالجوع، خرجت منه امرأةٌ طاعنة بالسن وركعت للجنود. تعرف عليها "ساري". وتمتم (( أمي.. )). سلمها الجندي ثوب "ساري" وخنجره وزفَ لها خبر الإعدام. قبضت على الخنجر وظلت تمزقُ بالثوب وتلعنُ بأعلى صوتها وتبصقُ دونَ كلل. شعرَ "ساري" بحرقةٍ أكثرُ ألمًا من نيرانِ الموت، صرخ بأعلى صوتهِ : (( أمي!!..أمي)). لم تستمع إليه وظلت توزعُ علامات الاشمئزاز وهي تتأملُ خنجرَ "ساري". وفي إثر كل ماحدث، خرجت طفلةٌ صغيرة ثوبها مرقع يكسوها سخام المداخن (( هل أتى والدي يا جدتي ؟ )). عانقت الكهلةُ تلك اليتيمة وهمست: ((أخبرتكِ لن يريدك ذلك الرجل.. )). تلكَ الكلمات كانت شديدة القسوة على قلب تلك الطفلة وأشدُ فتكًا على قلبِ ساري، ما إن سمع "ساري" تلك الكلمات حتى عادَ بهِ الزمانُ لكلِ جرائمه، وظلتَ صرخاتُ الضحايا تضجُ في رأسه، كان يريدُ الموتَ ليتخلص من ذلك الإثم وظل يتأمل ذلك العناقُ الباهت.. أراد عناقهم ايضًا. أراد توضيح كل ماحدث! ولكنه عاجز، فبين مشاعرِ الندمِ عن جرمه والندم عن إثر جرمه، قيدَ الذنب "ساري" ليحبسَ في زنزانة الخطأ مؤبدًا.



عبدالله السبيعي

18 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل