شعار مداد.png

الدموع التي تتساقط نهاية كل خريف

ككل يوم في نهاية فصل الخريف، رائحة كعك اليقطين تملأ أرجاء كوخٍ صغير، وتدخل مسرعة متوجهة للموقد لتطمئن على كعكتها، مرتديةً فستانًا مزينًا بنقش أزهار الياسمين، وحذاء مصنوع من الجلد بني اللون، وشعرها الكستنائي يغطي عنقها النحيل ويحرر أكتافها للظهور، وعيناها كنجمتين من شدة لمعانها، تصعد عبر درجٍ خشبي لتصل الى ذلك الباب الذي لم يتحرك منذ أيام تطرق بقوة لعل ذلك الشقي يخرج من جحره، ولكن كما العادة لا فائدة، تعود لتجهيز مائدتها الصغيرة فاليوم تنتظر ضيفًا مميزًا.


أتى المساء وأصبح كعك اليقطين جاهزًا وباقي أصناف المائدة، تذهب للمرآة لترتب خصلات شعرها وتمسح بعض الدقيق من وجنتها وتعود بخطًى راقصة لتجلس على إحدى الكراسي، يخرج أخيرًا ذلك الشقي الذي بلغ عامه الخامس عشر قبل أسبوع، بشعره الكستنائي الشي الوحيد الذي أخذه من أمه "لقد خرجت من غرفتي لأخبركِ فقط بأنه غير قادم ولا جدوى من انتظاره" ترسم ابتسامة عريضة وتذهب لعناقه "لماذا أصبحت تحرم أمك من تقبيل هذين العينين الجميلتين" يحاول الابتعاد فكم يكره الأحضان ويذهب للجلوس بجانب كرسي والدته، لقد علم بأن والده الذي تنتظره كل سنة حين ينتهي موسم الخريف، حين يعود الجنود الى أوطانهم، ولكنّ والده لم يعد إلى المنزل منذ سبعة أعوام، كانت السنوات الثلاث الأولى أصعب السنوات، فقد كان يضع في نفس هذا اليوم كل سنة مصابيح من القرية حتى تصل إلى كوخهم الصغير؛ فقد خشي في صغره أن يظل أباه الطريق لطول غيابه عنه، ولكن انكسارًا في عينيه ضل أثره حتى كبر.


جاء منتصف الليل وبدأت عيناها تنساق للنوم وعينا الابن لم تفارق الباب، يُطرق الباب بقوة ليذهب مسرعًا لفتح الباب، يرى وجهًا يكاد يذكره ولكن الشك يسيطر عليه، ويتبع نظره بشكل أفقي ليرى ذلك الجسد الخاوي، تبدأ أنفاسه بالتسارع ويرفع رأسه بسرعة ليرى أيادي من تحمل والده، صديقٌ قديم لا يكاد يميز سوى تلك الندبة القبيحة قرب عينه اليمنى، يرمقه بنظرات ميتة، يتراجع الابن للوراء ليسمع أمه تنادي "رامي من عند الباب؟" يغلق الباب بقوة ليقول لها لقد أتى صديقٌ لي يرغب مني مساعدته فسأذهب الآن، يخرج دون أن يسمع رد والدته ليلقى نفسه أمام ذات المشهد ثانيةً، تتسارع أنفاسه ليسأل "منذ متى؟" لا يجيب ذلك الصديق بأيةِ كلمة، ثم لاحظ حركة أصابع يديه فإذ به يشير إلى الرقم ثلاثة "ثلاث سنوات؟؟؟؟؟" ليحرك رأسه يمينا ويسارا تعبيرا عن النفي "أشهر؟...." يحرك رأسه مرة أخرى ولكن هذه المرة كانت إيجابًاّ.

تبدأ يدا رامي بالارتعاش يحاول مصارعة ذلك الشعور الذي لا يعلم له اسم، يمد يده ليلمس وجه والده الميت حتى بدأ الدمع يسقط على عيني والده المغمضتين "لا يجب أن تعلم أمي بذلك! عدني بأنك لن تخبر أحدًا" كانت عينا صديق والده الخاوية كفيلة لأن يعلم بأن روحه قد ماتت منذ زمن.. حتى فتح فمه ليظهر له لسانه المبتور بفوضوية ليبرهن بأنه لن يخبر أحد عن ذلك، نظر إلى رامي نظرة عميقة ثم ترك جثمان صديقه تحت قدمي طفله واستدار ليذهب بعيدًا دون رجعة.


أخذ الفتى والده وتوجه نحو تلة بعيدة وبدأ يحفر حتى طلع الصباح "حسنًا هكذا سيصبح الكوخ مطلًا على قبره" انتهى من الدفن وعاد إلى المنزل ليجد والدته تنتظر عودته لتحتضنه بقوة "يا إلهي لا تجعلني أقلق عليك هكذا، إن حصل لك مكروه كيف سأواجه والدك؟" ابتسم بمرارة وصعد لغرفته وأغلق الباب ليبقى فيها أيامًا عدة دون أن يخرج.


مرت سبع سنوات وأصبح الآن في الثانية والعشرين، يحضر جنازة والدته التي ظلت عاكفة طيلة تلك السنين في انتظار زوجها، ليقرر جعل قبرها في ذات التلة مع والده ليطل عليهما كل صباح من نافذة غرفته.


شهد عبدالعزيز







15 عرض