شعار مداد.png

الطوقُ الملائكي



أولُ ما يستنشقُ جوفُ الأم الروح ومع تكون الأطراف يتشكل لدى الإنسان هالة تدعى بـ " طوقِ الملائكة ". تحومُ فوق رأس الإنسان، تأجُجُ هذه الهالة مرتبطٌ بمدى خلو الإنسان من الأخطاء حيثُ لكلِ فعلٍ حدود. فالكذبُ مثلًا مرتبطٌ بمعيارٍ تجاوزهُ يؤثر سلبًا على نورِ الطوق. ويقال أن أطول فترةٍ استطاعَ فيها الإنسان الحفاظ على طوقه، كانت في البداية الأولى قبل أن يرتكبَ قابيل أول جرم. ومع تقدمِ الزمان إندثر الطوقُ الملائكي وازدادت الشائعات حوله بعضهم يقولُ أنهُ يسبب الخلود واخرون يعالجُ جميع الأمراض. فقامت الحكوماتُ بعرضِ صفقةٍ مقابلِ الطفل وباع الفقراء أبنائهم والسببُ الجوع. أحدُ الأطفالِ كان إسمه "شيث".

بين جدرانٍ تمتدُ الى عناقِ الغيوم ذات لونٍ أبيضَ ناصع، مقسمةٌ الى غرف يقبعُ بها أطفال تأدلجت عقولهم على مثلثِ السعادة " السمع-البصر-الفؤاد ". أصبحت الغاية اليومية هي وجبةُ العشاء، كانت تلك الأرواح النقية تتلهفُ لتلك الوجبة فهي القضمة الأكثرُ مثالية. كلُ أحدٍ منهم ظن أن هو الوحيدُ والطباخُ صانعُ الوجبة والممرضونُ. والعالمُ هو هذه الغرفة، كانت التطلعاتُ البسيطة هي جوهر الحفاظِ على النقاء.

حينما حانت وجبةُ العشاء، بقى "شيث" متلهفًا لها وكأنها الشفاءَ بعد سقمٍ أبدي. وحينما رُفعت البوابةُ ببطء إنبثق منها سوادٌ دامس. كان يشعرُ "شيث" بشعورهِ اليومي الغريب خلفَ تلك الظلمة وكأنها تجذبهُ نحوها وفضولٌ يصعبُ تفسيره لـ"شيث" لكنهُ يتذكرُ دومًا ماتعلمه وأن مابعد تلكَ الغرفة لا شيء. وفجأة سمع ارتطامًا ضج صداهُ غرفته وتمتمه (( أيها الأحمق.. )). (( ألا تستطيع السيطرة عليه؟.. )). لم يستطع "شيث" منع نفسه وتقدم ببطء لسواد وفي كل مرةٍ يتقدم تتضح له معالم السواد حتى وصل الى النهاية.. فطرته الفضولية ألحت عليه بإلقاء النظر ليتفاجئ..بجثةٍ مرميةٍ أرضًا يحيطُ بها زجاجٌ محطم، بعد كل هذه السنوات من البياض كان السوادُ ذو أثرٍ قاسيٍ على قلب "شيث" فسقط أرضًا وبدأ بالصراخ. لاحظ الممرضين "شيث" وصرخوا (( اللعنة ! )). لحظات حتى تلا ذلك المنظر إنذار حاد جعل شيث يلتوي في الأرض صراخًا. أسرع الممرضُ وحمل "شيث" ليخرجَ به ويتلوه صوتٌ من بعيد (( أيها الأحمق اتركه.. أغلقوا الزنازين )). كان "شيث" يحاولُ معانقة الممرض، هذا ما اعتادَ عليه دومًا ولكن الممرض كان يحملهُ بسرعة حتى انشق ضوءٌ مفاجئ. خرجَ الممرضُ من المبنى بحماقة فيتفاجئُ شيث بمساحةٍ فسيحةٍ من الخضارِ على مدِ البصر، عالمٌ أضخمُ من غرفته! شيءٌ لتتطلعَ له غيرُ وجبةِ العشاء. داعبَ الريحُ روح "شيث" حتى امتلأ قلبه ربيعا. ودخلوا مبنى آخر ورمي "شيث" أرضًا بقسوة.. (( مالذي فعلته؟؟ )). صوتٌ ثخينٌ مألوف : (( الطباخ.. )). بسعادةٍ قالها "شيث". (( ألم تحقنه بأي شيءٍ يفقدهُ وعيه؟..اخرج )). الممرضُ بتلعثم (( لقد حدثَ كل شيءٍ بسرعة..شاهدنا ونحن..)). قاطعه الرئيس : (( اخرج.. )). لم يعي "شيث" أيًا مما حدث! ورغبتهُ بالحديثِ مع الطباخِ كانت كل شيء يدور في فكره..ولكن. حملهُ الطباخُ وحبسه في غرفةٍ مظلمة كان النورُ الوحيدُ فيها هو طوقه. وظل يردد (( لا تقلق يا صغيري..لحظاتُ وستعودُ لعالمكَ الناصع..سأقدمُ لكَ عشاءً لذيذًا! )). لا.. صرختُ روحُ "شيث" بعدَ كل ما رأتهُ (( أريدُ الخروج...)). (( عزيزي .. )). بنبرةٍ مكبوتةُ الغضب.. (( أريدُ الخروج )). ظل يرددها "شيث" ولكن لا أحدَ يسمعهُ وغادر الطباخ تاركًا إياه. بدأ الكرهُ يسيطرُ على قلبٍ شيث حتى خفُت الضوء تدريجيًا إلى أن انطفأت الغرفة، كان الخطأ ما جعل شيثَ "إنسانًا".



عبدالله السبيعي


19 عرض