شعار مداد.png

الفكرة التي نعتوها بالجنون


يتجول الفتى غِل بحقيبته الجديدة، يمشي مشية المتبختر؛ كأنما حاز الدنيا كلها! يلمح زميله من بعيد وينادي: "مرحبًا آفل! كيف حالك؟" ينظر له آفل متفحصًا؛ "ما بالك اليوم؟" يبتسم غِل ابتسامته الواسعة -رغم فقده لبعض الأسنان- دقق النظر! يشهق آفل؛ "كيف حصلت عليها؟" تلفتت غِل يمنه ويسره ثم أشار إلى آفل ليقترب منه، وقال بهمس "اليوم في السادسة، تعال للفناء"..


في فناءٍ بعيد، بعيدٌ عن كل شيء.. وقف آفل مُتسارع الأنفاس "أود الاختباء ولكن كيف في هذه الصحراء! لا صوتٌ مسموع ولا بشر بالجوار!"

اختبئ سريعًا خلف الجدار الوحيد، صوت الخطوات يعلو ولكنه لا يسمع سوى صوت نبضات قلبه..

يحاول استعادة نفسه الطبيعي، تلوح في ذهنه ابتسامة غِل الفظيعة! من حيث لا يعلم داهمه رجل شديد ذو يدٍ من حديد، أحكمَّ قبضته عليه ببأس حال بينه وبين الهروب، حاول المقاومة ولكن فات الأوان..


استيقظ آفل بصداعٍ وألم شديد، فتح عيناه بثقلٍ وهاله المنظر! "أأنا في الجحيم؟" أشلاءٌ بشرية مرمية هنا وهناك، أطفال تُعساء المنظر ليس في عينيهم روح، تراعدت أوصاله "ما الذي يحدث؟ أهذا الجحيم الذي حدثتني أمي دائمًا عنه؟ آه أمي أمي العزيزة، اختل توازنها وأصابها الجنون عند فقدنا لأخي الأكبر قبل عدة أعوام والآن أنا؟ لا أستطيع السماح لذلك بالحدوث، هي لن تستطيع العيش" تلفت من حوله، ذلك الظلام الدامس نظر إلى قدميه؛ لم يقيدوها! اندفع بسرعةٍ؛ كان كطفلٍ. تعلم المشي للتو، قدماه بالكاد تحملانه وخطواته متزعزعة، متمايلة، "سأصل" اندفع ولكن لم يعرف حتى إلى أين تهادت خطواته، ولكنه كان يعرف أنه إن توقف، فلن يستطيع المشي من جديد..

لم يعرف ماذا يفعل أو كيف، ولكنه لمح ضوءًا من بعيد! اتجه مباشرة نحو هذا الضوء "فعل غبي ولكنه أفضل من الجلوس في ذاك الجحيم" عند اقترابه سمع أصوات بكاء، ولكن ليس البكاء الذي تخيله فهو بكاء أطفال! أطفال رضع، أخذته الدهشة وهو يرى مجموعة من الأطفال أكبرهم لا يتجاوز سنة واحدة! مجتمعون في غرفة مع بعض الألعاب صوت خطواتٍ تقترب! توجه مباشرة لمهد أصغر الأطفال، واختبئ خلفه، ويا لصدمته بما رأى! مجموعة من الأطباء في ردائهم الأبيض يتوسطهم شخص يعتريه السواد، شخص يعرفه جيدًا وحفظ ملامحه "أخي؟" تدافعت الذكريات في باله، جميع من في الحي ينطلق للبحث عن أخيه، أيام من البحث المتتالية وأمه التي تذوي وتذبل في كل يوم.. دارت عيناه وتضاعف الألم! "ما نوع الكوابيس هذا؟" صرخ صوت الإنذار وقاطع جميع أفكاره، الكل يركض في الأنحاء "لقد اختفى ٢ب" انكمش في مكانه ككُرةِ ثلج طالها ضوء الشمس، "٢ب، ما هذا؟" ارتجفت يداه بشكل هستيري، حاول الإمساك بها حتى تقف وعندها صُعق! "أنا ٢ب، هذا ما كُتب على يداي" تسلسل للباب الخلفي بصمت، وسمع صوت مياه، لم يتسنى له الوقت للتفكير؛ داهموه مجموعة من الأطباء وقبل أن يأتي وقت الكلام باغتوه بإبرة أجبرته أن ينام..

استيقظ من جديد، والألم يثبت نفسه فيقوى ويزيد رؤيته ضبابية ولا تزال تتشكل، ولكنه يشم رائحة..

رائحةٌ مألوفة، رائحة حنونة كحضنِ أمه، "إنها رائحة البحر!" جاهدَ ليفتح عيناه، بدت تلوح له ملامح المكان، أنفه لا يخيب؛ إنهم في سفينة.. "آفل، أهذا أنت؟" صرخ بكل قواه، "أخي الصغير، أخي اللطيف، لم يفترض أن يحصل كل هذا، أنا آسف حقًا آسف" "عمّار! ما الذي تتحدث عنه؟" قالها آفل والحيرة تملئ عيناه، "لم يفترض بهم الإمساك بك، لم أعرف أنه أنت" كان صوته مثل الماء لروح آفل العطشى للقاء! وهم يستحثه "لا تقلق الآن ودعنا نهرب سويًا" تغير وجهه وتساوت ملامحه "ألم تفهم كل شيء حتى الآن؟" "ماذا تقصد؟ هيا نسرع قبل فوات الآوان!" لمعت عينا عمّار واتسعت ابتسامته؛ "أتذكر فكرتك التي نعتوها بالجنون؟" آفل بحسرةٍ وضياع "عن أي فكرة تتحدث؟ أخبرني أرجوك ما الذي يحصل؟ أين كنت كل هذه السنين؟ أأنت تسكن هنا الآن؟ ما الذي فعلوه بك؟ أغسلوا دماغك، أم حبسوك كل هذا الزمان؟"


أمسك عمّار بيده "هلمَّ تعال" توجهوا نحو خزانةٍ غريبة، فتحها عمّار وكان داخلها رجل هم مباشرة ليهاجمهم! ارتجف آفل كورقة خريف آن وقت سقوطها، أغلق عمّار الخزانة بشكل سريع وصاح "أشغلوها" بدأت الخزانة بالطنين وأنطلق معها صوت صراخ عالي، لم يكن من الخزانة ولكن من الغرفة المجاورة، ركض آفل بلا شعور، كان الصراخ من مجموعة من الأطفال، مُكبلين بنوع من الأجهزة الغربية وصراخهم عمَّ المكان! توقف عقل آفل، لم يعد يستطيع استعياب كل هذه الأحداث! وقال بصوت خافتٍ مرتجف "خزانة المشاعر؟" اتسعت ابتسامة عمّار وبدأ يضحك بشكل هستيري "إذًا ما رأيك؟ لقد حققت حلمك، حققت حلمنا.. هذه خزانة المشاعر التي طالما تحدثنا عنها! في لمحة عين نستطيع جعل أبي يقع في حب أمنا مجددًا، ويتوقف عن ضربها!، يمكننا جعلها سعيدة دائمًا!"

"وما الذي يحدث في المقابل؟" "لا يوجد أضرار جانبية، سنكسب الملايين! أتذكر قولك؟ المشاعر هي أساس كل شيء، فحين نُغيرها نستطيع القضاء على كل شرٍ في العالم! فترى الكاذب المختلس قد تغير إلى كائنٍ أليف في ثوان! لقد آمنت بذلك، وحلمك يتحقق الآن!" همس آفل وهو بالكاد ينظم أنفاسه "وماذا عن الأطفال؟ ما الذي سيحدث لهم؟" "اوه لا تقلق بشأن ذلك، سيمرض طفلٌ أو اثنان في مقابل صنع جيلٍ عظيم! جيلٌ تُشكله كيف شئت، وتَصرُفُه تحت يدك! صدقني عند سماع الدول المجاورة لذلـ..." قاطعه آفل صارخًا "أجننت؟؟؟"

التفت نظر عمّار لأخيه، تتثاقل أنفاس آفل والأفكار تجول به، ينظر لأخيه ببصر شاخص وقدمان ترتجفان.. اختفت ابتسامة عمّار العريضة، اختفى النور من عينيه وتغيرت ملامحه بشكلٍ سريع، "إذًا هذا هو ردك الأخير؟" شعر آفل برعشةٍ في جسده، لم يعهد هذا الصوت ولا تلك النظرة من أخيه من قبل.. استجمع ما بقي من قواه، ورغم ضعف قدماه إلا أن طاقة غريبة اعترته وطفق يركض سريعًا، كانت الرائحة دليله، ابتدأت المطاردة و عمّار يصرّخ من خلفه "أيها الأحمق! ما الذي تفعله؟" لم يكن لدى آفل الطاقة حتى للرد، سماع صوت أخيه يجعل قلبه يرتجف وهذا آخر شيء يريده الآن! أطلق إنذار السفينة، وفتح الباب للأطفال، "فوضى، هذا ما أحتاجه الآن" عمت الفوضى المكان وتعطل عمّار في الزحام صرخ بطاقمه "ماذا تنتظرون أيها المختلون؟ أدخلوا الأطفال، أوقفوا الإنذار!" عاد آفل سريعًا نحو الخزانة المشؤومة، فصل الأسلاك بسرعة ودفعها خارج الغرفة منطلقةً حتى تتحول لحطام ركض عمّار ورائها سريعًا، كانت ستسقط في عمق البحر، تمسك بها بكل قوة "آهٍ يا آفل! ظننت أنك ستفهم ذلك، أنت الوحيد الذي خلته سيفهم.." فاق حجم الخزانة قوته ومالت للسقوط، تمسك بها لآخر نفس، وفي لحظة عمَّ فيها السكون غرقوا سويًا في أعماق البحار...


ريما عبدالرحمن




42 عرض