شعار مداد.png

الكتابة، والكاتبة..


الكتابة

مرحباً صغيرتي، تبدو عليكِ ملامح الإرهاق دائماً، لا تتحدثين إلي إلا بصوت مبحوح، علاتكِ لا تشكينها لغيري، وخيباتكِ لا تملين من تأريخها من خلالي، شكواكِ كثيرة، وحيرة مشاعرك كبيرة، وتساؤلات أفكاركِ أكبر، تتململين من الحياة على أكتافي، ولم أشهدك يوماً إلا وأنتِ تطلبين الحياة هدنة، أما آن لكِ التوقف؟ أرهقتِني بكل هذا لسنين طويلة وأنا لم أشكُ لكِ الحال خوفاً على مشاعركِ الرهيفة أن تُجرح، ولكن حقاً؛ أما آن لكِ الوقوف؟ الوقوف على رجليك ومواجهة كل ما يضنيك، ما نفع بكاءٍ على صدري وأنتِ مستسلمة للجَلد و الجلاد؟ أين أنتِ عن مواجهة ما يؤلمكِ؟ أم أنكِ لا تقوين على مواجهة سواي؟ أدعوكِ للاستقلال عني، وهذا نابعٌ من محبة، فإني تعز علي دموعكِ التي تصبينها علي يومياً، وأود أن ألمح ابتسامتكِ يوماً. اهجريني، لا بأس، و عودي إلي راضية باسمة، بشعورٍ مطمئن وعقل صافٍ، فلا خير في دنيا تضنيكِ إلى هذا الحد، ولا خير فيّ لو رحبت بآلامكِ إلى الأبد.



الكاتبة

لساني، أين هو لساني؟ أم جاءه ما كان يخشاهُ من عُقَد. خِلّاني، أين هم خلاني؟ أم أني فزت بالوحدة إلى الأبد؟ دياري، أين هي دياري؟ أم أن الغربة صارت لي بلد؟ أما قلبي، فأين هو قلبي؟ إن القلب قد صار عالة على الجسد. القلب صار عالة على الجسد، بعد أن علّمت عليه الأيام بلسعاتٍ حارقه، أفقدت القلب تمكُّنه. فصار لا وجه للحياة يأمنه، ولا خلٌ في الطريق يسنده، ولا رأي حكيم يدلّه . الصوت؟ راح مني كلّه، بعد أن تشذب حلقي من كثرة الصراخ، و فرط العويل، ولا شيء في الدنيا يملك إجابة له. آخر عهدي بالحياة كان من سنين مضت، طفلة، إن تاهت بالمسار انتشلها والداها للمسار الصحيح، إن تاهت في سؤال انتشلها والداها للجواب المريح، وإن تاهت في شعور؟ تناولت حلوى، وصارت لها الدنيا ملعبا ملونٌا بالفرح. لم أدرك ما الذي جرى لي بعدها، لا الوقت ولا السبب ، ولا الأحداث. جل ما أدركه هو كل هذا التعب، وطول هذا المطاف، وضعف هذا الجسد، وكذب الأماني وشعور الضَفاف. أين المخرج؟ بلا دليل ولا أناس، ولا بصيرة أو إحساس، ضاع مني الأساس... وماذا بعد الأساس؟ فاجأتني الدنيا، فألبستني رداء من التيه والظلام، يكتمني، يحد من حركتي، وينسيني أين أنا وكيف أنا . أيبدو غريباً أن أتنفس غير الهواء؟ بعد أن تنازل الهواء عني، متعذراً بأني صرت ليس إلا ثقلاً يعيق طريقه، وأنه أكبر مني، وبأنه أطهر من همّي. بل بعد أن علِمتَ بعيشي مع انقطاع الهواء عني؛ أيبدو غريباً إلى ذلك الحد أن أتنفس من يدي؟ من عيني ومن رأسي؟ آخر ما تبقى لي من جسدي؟ تنفست الكلام بعد أن عجزت عن نطقه، تنفسته من رأسي، وأقسم أنه صيّر رأسي من فرط قوته وعواصفه خلاء. هربت مني الأنفاس؛ الكلام.. زفيراً، هذه المرة من يدي، فمن أين لها مخرج من جسدي التعب الضرير إلا يدي؟ ما الداعي للبكاء؟ لا أدري. ما الداعي للاستجداء؟ لا أدري. إنّي أدري أني لجأت لهواء، ليس كأي هواء، أشكي؛ فيحوي، و أبكي؛ فيمحي، و أراه فيُرضي.


رغد النغيمشي



14 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل