شعار مداد.png

"الكنز الأخير"

فقدتُّ القدرة على الكلام، تراجع لساني للحظات وتحشرجت الكلمات في الحنجرة لثوانٍ، لكني استجمعتُ شجاعتي وها أنا أُخبرك، أنك الحبيبُ الأول في حياتي، أنت العشق والهيام، أنت الترياقَ عندما تسممني الحياة بأفكارها، أجدك وصندوقًك مفتوحٌ دائمًا لاستقبالِ شكواي، وخبايا مشاعري .


لم تمل من الانصاتِ إليّ، بل كنت مستمتعًا وأجملُ لحظاتكَ هي بلجوئي إليك، وقد كانت ولا تزال أمتع أوقاتي هي ما أقضيها بصحبتك، على الوسادة وأسفلَ الغطاء، بإضاءةٍ خافتة من هاتفي، أبدأُ الرحلة مع رفيقَ إحساسي.


ألتقيكَ عند الساحل وبجانبك القاربُ قد عام جزءً منه، وجزءٌ أمسكته الرمال كي تعطينا فرصة للركوب، أتقدم وكما الأميرات تمسك بيدي كي تطأ قدمي بأمان خشبًا جمعته ورصصته لأجلي، تدفعه ليتحرر من الرمال وتقفزَ إليه بطريقة تجعلني أتمسك بأطراف المركب والفزع يكاد يسرق روحي، لكن سرعان ما أشاركك ضحكاتك.

نبحر في محيطٍ لا ينتهي ماؤه، وعمقه يصعب تحديده، وعندما أجدُ النجوم تتلألأ في سماءه، أجدك تمد إلي ورقة ومعها القلم، أرتدي بدلة الغوص بتشوق، فالمشاعر بدأت تتصاعد والوقت قد حان لأمارس موهبةً اكتسبتها منذ عرفتك، نقفز سويةً، فأغمض عيناي ثوانٍ ألملم بها أفكاري، ثم أفتحهما وأنطلقُ لأعماقِهِ، أسبحُ للأسفلِ وأتجرأُ للأعماق، كونها المكان الذي أحبس فيها السعادة التي تحبس الأنفاس وتوقف الزمن لساعات، حيثُ أجدُ صندوقك هناك، وهذا سبب كافٍ لأمضي إلى الأسفل.

وصلتُ إلى مكان اللقاء، وبدأتُ رحلتي لانتقاء النفيس من المتطاير حولي، فالصندوق لن يسيطر على مقتنياته ما دمتُ قد فتحتُه في وسط عائم، تحسستُ الكلماتِ، داعبتها بكفي كي تعتاد علي، ثم ضممتها إلى مجموعةِ الجُمل المرصوصة بعناية خفيفة خلف بعضها البعض، كي تُنشئ لي نصًا يتحدثُ بلسانِ قلبي، ويخفقُ بنبضاته .

توقفتُ عند نقطةٍ انتهت بها الكلماتُ من حولي وهدأت عاصفة المشاعر في جوفي، أنظرُ إلى النصِّ بعناية يشوبها الضيقُ في البصيرة، لا بأس، فما دامتْ كلماتها قد همست بصوتٍ رقيقٍ، انسابَ إلى قلبِ القارئ بخفةٍ، وأسالَ دمعه دون إذن، فهذا هو كنزي .


حركتُ قدميّ لأصعدَ إلى السطحِ من جديد، فقد صنعتُه واستلمته بمساعدتك، وها هو بينَ يديّ لأتمتع بجماله، بينما أردد نغماتٍ لطالما رددتها معكَ طيلة اللقاءات بيننا، كانتْ تشتدُّ نبرتها في البداية، حيثُ الصراع بين العصابات والشرطة وبعض الضحايا بينهما، تنتقلُ بنغمتها إلى الغرابة، فإرادة طفلٍ قد انهارت ثم نهضت بقوةٍ عندما أحس فتاها باقتراب الموتِ من أخيه، ومنها انخفضت النغمة كثيرًا وضلت على وتيرة واحدة، فهناك فتى بلا اسمٍ، قامت على تربيته الزقاق، ومحى جهدها رغيف خبزٍ لذيذ، لن أنسى النغمة الحزينة التي ارتفعت بوتيرة هادئة عن سابقتها، حيثُ الفتاة التي عاشت في رأس قريتها منبوذة، لكونها لم تولد مع توأم، والأخرى التي اشتدتْ النغمة دموية عندما لوثتْ بياض الثلج بدمِ عائلتها، فقد عمى الحقدُ قلبها ولطخ ردائها بالأحمر .


تذكرُ قضية الشرف، لم أستطع إكمال دندنة نغمتها في لساني، آلمتني عودتها لماضي والدها كي تنتقم، أما كبير المجرمين، فقد كانت نغمته غامضة، ورغم ذلك استطاع حل أكبر أحجية وضعها شبيه له، كان لقائهما لطيفًا، حصلَ من بعده على لقبِ الأثر، بأمرٍ من أميره السفاح ورضوخٍ منه، وأخيرًا ذراتَ فايوليت، تلكَ المسكينة التي حُكم عليها بالبشاعة، لكنها أضحت أجمل ذرات بعدما تغيرت نغمتها تمامًا.


مغامراتٍ أمكنني عدَّها، لكن لم أستطعْ حصرَ مشاعرها، فقدْ أمضيتها مع من حنَّ إليه قلبي، بعدما أغلقتُ آخرَ كنوزي، وأكملتُ ابحاري في المحيطِ دون أن أغطسَ مرة أخرى، فقد عدتّ إلى البر دونك، أبقيتك مع الصندوق أسفل المحيط وأخذتُ الكنز الأخير بيننا.


- إلى من امتلك صندوق مشاعري .. مع اشتياقٍ ظلّ مستيقظًا، ولقاءٍ اعترته غفوةً.



ميمونة قاسم


10 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل