شعار مداد.png

النعجة الحمراء

يحكى أن نعجة سمراء ذات صوف أحمر وثير يتغنى به الأكباش، أفنت سنينًا من عمرها تحيك لأصدقائها في الغابة ما يليق بهم من منسوجات تحميهم وطأة الشتاء.

كان صوفها ناعمًا كالحرير، أحمرًا كالجوري، وله رائحة عطرة كبساتين من الزهور، الجميع أحب ما تصنع، وكانوا سعداء جدًا بما يحصلون عليه، حتى أن ملك الغابة أمر أن يبنى لها كوخ تحتمي فيه من الصيادين، وعيّن بعضًا من ذئابه الأوفياء أن يحموها، وبالفعل فعلوا.

مضت الأيام، وشتاء يلحق شتاءً، والنعجة مستمرة تحيك من صوفها الذي لا ينضب، تمر عليها الحملان، الكناغر، بعض التماسيح والحيات، والأشبال والزرافات، يأخذون ما يعجبهم، يشكرونها فرحين ويذهبون في حال سبيلهم.

كانت أياما غامرة بالسعادة وراحة البال، إلى أن جاء يوم أصاب النعجة مرض عجيب، بدأت تخسر من لحمها الكثير، والصوف يتساقط أرضًا كنتف من القطن. حتى باتت نعجة بوجه هضيم وجسد هزيل لا تقوى الوقوف على قوائمها، ولا يغطيها سوى جلد أسود مترهل وبعض نتف الصوف الأحمر الذي ظل متشبثًا في ذيلها.

اعترى الجميع القلق عليها، لكنهم خائفون في ذات الوقت، ما الذي حل بتلك النعجة المنفوشة ذات اللون البهيج؟ كيف لهذا الحدوث؟ خاف الجميع أن يكون وباءً، فابتعدوا واعتزلوها وما عاد أحد يقترب منها.

كانت تلك أوامر ملك الغابة خوفًا على سلامة الشعب، ألا يقترب أحد منها، لكن في ذات الوقت، كان قد طلب من علمائهم وعباقرتهم من الحيوانات أن يبحثوا في الأمر عل هنالك علاجا يحل المشكلة. لكن للأسف لم تكن باليد حيلة. فاعتذر الملك منها، وسمح لها بالبقاء داخل الكوخ بعيدًا عنهم حتى تفنى.

حزنت النعجة حزنًا عظيمًا. الهدوء خيم على المكان، كوخها بات خاويًا على عروشه، وبضاعتها انتهت، لقد أهدت بالفعل كل ما حاكته ولم تبقي شيئًا لنفسها، لكن هذا ليس مهمًا فلن يزورها أحد حتى لحاجة، عدا ذلك النمس، الذي عينه الأسد ليجلب لها الحطب والطعام ويضعه على باب كوخها.

أشتد مرض النعجة أكثر، واشتدت العاصفة خارجًا وما عادت تقدر حتى على إشعال النار لنفسها، هي فقط ترتمي أرضًا بين كومة الحطب تنتظر ساعتها بالموت بردًا قبل المرض.

وفي لحظة، وبينما العاصفة الثلجية تزأر في الخارج، طرق طارق الباب وكان يبدو عليه الصراخ: "عذرًا هل يوجد أحد هنا؟" أعاد الطرق مجددًا: "هل من أحد هناك؟ مرحبًا؟"

لم يكن في مقدور النعجة الجواب، لقد بذلت ما ملكته من قوة في تحريك رقبتها الخائرة اتجه الباب، لترى من هناك لا أكثر، لكن الصوت لم يكن شيئًا قد سمعته من قبل. عاد الصوت مجددًا وهذه المرة بلكنة مؤدبة أكثر اعتذر: "اعذرني على وقاحتي..."

لم يسعف النعجة الوقت للتفكير في سبب يجعل أحدهم يعتذر، حتى باغتها الطارق بركل الباب بقوة فاتحًا إياه، ليظهر في وسطه خياله، لم يكن لأحد من الغابة، بل كان لرجل غريب..

كان شابًا صغير السن، لربما في أول العشرين. ارتدى قطعًا ثقيلة من فرو الذئاب تقيه وطأة البرد، وعلق على ظهره القوس وحقيبة السهام، بينما في كفه حمل مشعلًا كادت الرياح أن تطفئ نيرانه. سارع للداخل وأغلق الباب موصدًا إياه بظهره بينما يتأمل الكوخ الخاوي: "يبدو أنه مهجور. لحسن الحظ، على الأقل لن أموت بردًا"

أزال القوس والسهام عن ظهره، وتقدم ليشعل النار في الموقد بينما عينا النعجة تتبعه في صمت. لم يفلح الأمر مع الموقد، فذهب ناحية الركن حيث كوم الحطب، ليتفحص واحدة جيدة.

لحظات قليلة، وإذا به يرى جسد حيوان أسود يستلقي على مقربة ينظر إليه. توجس شرًا للحظة، وخطف خطوتين إلى الوراء سريعًا صارخًا مبسملًا مستعيذًا، لكن بسرعة تبين أنها نعجة، نعجة غريبة الأطوار ذات ذيل أحمر.

اقترب منها ورأى في قسمات وجهها التعب والمرض، وحولها نتف من الصوف الساقط المهترئ، تناول أحدها بأنامله الطويلة المتجمدة، تأمله هامسًا: "خسارة شيء مميز فيك، صعب. أليس كذلك؟ أرى الكرب في عينيك الغارقتين.. نعجة مسكينة.."

أنهى جملته متأملًا حزنها وقد فهم ما تمر به، لتطأطئ النعجة رأسها خذلانًا بعد أن تذكرت أيام عزتها تلك، وسمحت للدمع أن يسيل معبرًا عن حزنها وإحباطها.

مسح الصياد على رأس النعجة مواسيًا، شعرت فيه بدفء عاطفته قبل برودة الجسد. ليقوم من مكانه واضعًا بعض الحطب في الموقد مشعلًا إياه، وعاد إليها ليسقيها شربة من الماء ويناولها بعض الفاكهة التي كانت معه، ويقربها قليلًا حتى تدفأ.

الساعات تمضي والصياد ما يزال جالسًا أمام الموقد، يحاول تدفئة يديه، والنعجة باقية تتأمله. لقد شعرت بتحسن في صحتها بعد أن آنسها أحدهم، رغم وجود المرض. ولم يهن على قلبها حاله إذا رحل، فقررت حياكة قفاز له بآخر ما بقي لها من صوف في ذيلها، علّه يقيه شر البرد.

في صباح اليوم التالي، فاق الصياد ليجد النعجة قد أهدته زوجا من القفازات أحمر اللون، ذهل الصياد وأعجب به كثيرًا، كانت حياكته متقنه، وصوفه قوي متين لكنه لطيف على جلده. شكرها من القلب، لكن الحزن لاح على وجهه فأعرب:

"لو كان بيدي أن أحصل لك على دواء لفعلت، لكن الأمر يتطلب الكثير من المال، وأنا لا أملك سوى ما أصطاده وهذه الثياب التي تكسوني.."

أومأت النعجة مبتسمة وأجابت: "لا بأس، شكرًا لك على تقبل مجالستي، وسماحك لي ببذل جهدي حتى في آخر أيامي، هذا معروف لن أنساه.."

ابتسم الصياد وشبح الحزن مازال يطوف بين قسمات وجهه، شكرها للمرة الأخيرة، وغادر في حال سبيله، ليعود الهدوء والوحدة مجددًا..

الثواني باتت شهورًا، والساعات دهورًا، الوقت يمضي ببطء شديد كسلحفاة عجوز. لكن في واقع الأمر هي لم تكن سوى ثلاثة أيام منذ رحيل آخر زائر، الصياد.


وسط سكون كئيب، عاد الباب مجددًا بذات الصوت.. ضج صوت صياحه من الخارج طارقًا الباب قبل أن يفتحه مقبلًا بطلته البهية التي افتقدتها النعجة وبصحبته رجل عجوز غريب: "أفيقي أيتها النعجة أحضرت الطبيب"

كانت أمارات الدهشة بادية عليها كأنها تقول" كيف؟" فضحك وأتبع: "لقد قابلت نمسًا حين خرجت في ذلك اليوم، أخبرني أنه المسؤول عن توصيل مؤونتك. في تلك الليلة رآني أدخل الكوخ وخاف وعاد أدراجه، وأعلم ملكم بالأمر. وقبل تركي الغابة لحق بي هو ومجموعة من حراسه، أخبروني أنني يجب أن أحتاط، فالنعجة قد تكون موبوءة وقد أنقل الوباء للقرية، العجيب ليس هنا، الجميع كانوا يرتدون من منسوجاتك!"

ختم مندهشًا وابتسمت النعجة شاكرة في سرها، أنهم لم يتخلوا عما صنعت لهم بحجة المرض، وأتبع: "اقترحت على الملك أن نبيع ما حكته لهم في القرية، وبالمال نأتي بالطبيب، لم يفكر حتى ووافق على الفور، لو رأيت الساحة بالأمس، جميع الحيوانات لبت النداء وأحضروا ما أعطيتيهم من منسوجات ممتازة الصنع، والناس في القرية اندهشوا بجودة الصوف خاصتك، لم يروا مثلها في البلاد قط. فقرروا أنهم سيوفرون لك العلاج والراحة ما حييت مقابل حياكة المزيد"

ذهلت النعجة لهذا، وبكت فرحة، شعرت بأن ما صنعت لم يذهب هباءً كأن كل شيء يعود بمردود لها. طببها الطبيب ورجعت صحية كالسابق وأفضل، ورجع صوفها ذو الرائحة العطرة، وعادت الأكباش تتغنى به، كل يريدها زوجة له.

بدأت بمزاولة الحياكة من جديد والجميع أتوا لزيارتها وصحبتها وتأسفوا لأنهم تركوها في مصيبتها، وشكرتهم لمساعدتهم لها في النهاية واحتفاظهم بما صنعت، وقرروا أن يتعاونوا معًا فبدأوا يتعلمون منها الحياكة لتمويل متجرهم في القرية، الذي غدا محلًا ذا صيت وسمعة في البلاد، يتوافد إليه أكبر التجار.

روان الفار

75 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل