شعار مداد.png

الورقة الأخيرة

روحٌ وجدت هنا، تعرف أنها إنسان، وتعرف أنها حياة.

تقوم فزِعةً في منتصفِ الليل، لا تجدُ جسدها، هكذا مجردة، تعرف أنها موجودة لكنها ليست موجودةً في المادة، اختفى الجسد، تنهض وتبحث في أرجاءِ الغرفة، لا أثر لجسدها، ربما وجدته في مكانٍ ما في المنزل، تجوب أرجاءه ثم لا تجدها ، تعود لفراشها تحاول النوم، فلا تقدر!

تفكر، ثم تفكر كيف أفكر؟ ألم يكن العقل مكانًا للأفكار! تشرق الشمس وهي مازالت تفكر..

الجميع نائمون، توقظ الجميع لصلاة الفجر، لا رد!

حتى والدها الذي يقوم فزِعًا كلما سمع صوتها، لا يرد !

(-هل فقدوا السمع؟

-ربما عليَّ أن أرفع صوتي.)

ترفعه ولا مجيب، الكل في سباتٍ عميق. لم تعد تستطيع معرفة الوقت، ربما توقف الوقت، كانت تستيقظُ كل صباحٍ بلا ساعةٍ مؤقتة. مالذي تغير؟!

تتظاهر أنها نائمة، ربما يبحثُ أحدٌ عنها، أو ربما افتقدها الجسدُ فعادَ لها! لن يتمكن من العيش بدونها، -تبدو متأكدة-!

سمعت أصواتهم، الصوتُ من المطبخ، تتحسس نفسها، لم يعدْ جسدها، هي مازالت هنا. تخرجُ لترى، الأصواتُ من المطبخ، إذًا حان وقتُ الغداء؟ تذهب، سرعتها تضاعفت عشرَ مرات، تبدو أخفًّا الآن، تنادي أمها، ما زالت لا تسمع! لا تلتفت ولا تنتبه!

تضعُ الطعام على الطبق، تحملهُ وتضعه على سفرةِ المائدة.. تشعر بالسعادة، مازالت تستطيع القيام بالمساعدة!

يعلو صوتُ الأم بفزع، تحركتْ الأشياء فجأة! تجتمعُ العائلة، الفزعُ في عيونهم، فتخفضُ صوتها هذه المرة، (لعلهم يسمعون الأصواتَ المنخفضة)، (أنا حملتها، لا تقلقوا، لا تقلقوا).

-لماذا لا يرونني على الأقل، أو يسمعون صوتي!

الكلُّ يحلف أن لن يلمسه، تركَ الجميع المكان، وبقيت هي وغداؤهم.

-لا بأس، سأعيده مكانه حالما ينتهي خوفهم.

قدرت الوقت، إنها الرابعة عصرًا، أعادتهُ للمطبخ، اكتشفت الآن صفةً جديدةً لحياتها الحالية، أنها لا تستطيع الأكل، هكذا إذًا، لا جوع بعد اليوم، أرعبتها الفكرة.

تسمعُ صوتَ والدها ينادي عليها، طالت محاولاته الفاشلة هذه المرة! تراهُ يصعدُ لغرفتها، تلحق به! وتنادي عليه:

-أنا هنا!

-لم لا يلتفت؟ هل جُنّ، إنه لا يشعرُ بالهواءِ الذي أحدثه حوله!

تدخلُ معه للغرفة، ترى استنكارهُ وخوفه، تسمعُ تمتمته: "ليست هنا، استيقظت."

يخطط الجميع للخروج اليوم مجتمعين في فِناءِ المنزل، ويستعدون للشواءِ، يبدو أنهم لم يأكلوا شيئًا مذ فاتهم غداءُ اليوم. هي أيضًا تخطط الانضمام إليهم، لكنها لن تساعدهم في شيءٍ هذه المرة، بدأت تتعلم فن المراقبة، وبدأت تفهم تتابع الأحداثِ أكثر، متابعةُ الأشياءِ حولها تذكرها بالكتابة، -لو أنها تستطيع أن تكتب؟- هكذا كانت تفكر، ظنت أن المهارة الوحيدة التي تبقت لها الآن هي أن تكتب مايجري حولها، لربما فهمت مالذي يحدث لها! لكنها لم تعد تستطيع.. تستطيع أن تتكلم فقط، وما كان أحدٌ يسمع!

الجميع في الخارج الآن، تقتفرهم وتراقب، تجول بعيدًا حتى ينتهون، والأهم ألا تفجعهم بغير قصد.

الوقت يمر، تتذكره وتتساءل كم الساعةُ الآن؟ تعود لواجهة الفناء، لا أحد! البابُ مغلق.

تنادي ولا أحد يجيب. يدفعها الهواءُ الخفيف خارجًا، بابان يفصلانها الآن عن المنزل.

***

(-لا أعرفُ هل أنا خفيفةٌ إلى هذا الحد؟ حتى أن الهواءَ يحركني ، كلما تحركَ تذكرتُ نفسي، أظن أنه الشيء الأكثرُ شبهًا لي في هذه الحياة، ليتني كنتُ نسيمًا، أو هبوبًا. وددتُ لو كنتُ إعصارًا على الأقل، لربما انتقلتُ أسرع، ولكانت حركتي أخف وطأةً على من حولي)

تحدث نفسها:

-الآن بعد أن دفعني الهواءُ خارج المنزل، أمامي خياران، الأول أن أنتظر خروج أحدهم، ولربما دفعني الهواءُ أبعد. أو أن عليَّ أن أمضي، نحو العالم، إلى حيث ينتهي بي، إلى أن ألتقي بجسدي.

***

بعد ثلاثون يومًا من المسير -كما أحصتها- تسكنُ حياة في منزلٍ عتيق، فيه رجلٌ كبير في السن وامرأته، ببساطةٍ دخلته عندما لمحته مفتوحًا أثناء رحلتها، كانت متعبة، وتحتاج قسطًا من الراحة، كانت راحتها في أن ترى بشرًا لهم جسدٌ يتحركون ويتحدثون.

سلمت على المكانِ قبل الدخول، تدخلُ الغرف واحدةً تلوَ الأخرى، كلها فارغة! أزمعت أن تعيش هنا إلى الأبد، اختارت إحدى الغرفَ، اعتبرت نفسها نزيلةً هنا، ولكن إلى الأبد، كما أنها عازمةٌ على اختيار غرفةٍ قريبة من أي إنسانٍ حي تجده، يمتلك جسدًا ويسمع، لربما دلها على مكانٍ قريبٍ تباعُ فيه أجساد.

في الثامنة مساءً -بتوقيتها- يلجُ إلى المنزل إنسانان، يشبهان الزمن، والقدم، إلَّا أن وجههما ليس باليًا! كان مشرقًا، مفعمًا بالحياة.

وضعَا طعامًا وأشياءً على الطاولة، ثم اختفيا!

بادرت هي بترتيب سفرة العشاء، لا يهمها الآن إن كانا سيرتعبان أم لا، لا يوجدُ شيء تقضي به وقتها غير ترتيب الأشياء وحملها ونقلها، أما إنتاج الأفكار، فلم يعد لها سبيلٌ إليه!

عشرون دقيقةٍ حتى دخلا، لم ترعبهم الفكرةُ، حتى أنه ساورها شكٌ أنهم يعرفون بوجودها..

جلست معهم، لا أحد ينظرُ إليها.. قررت أن تمر حولهم، أن تعبث بالهواء. لكن، لا أحد يلتفت!

جلست، ثم عادت للمتابعة، يسكبُ الجد لها كأس ماءْ! ثم يضعه أمامها! تكلمه فلا يرد، تتساءلُ، هل يراها لكنه لا يسمع؟ ربما.

****

قررت أن تعيش في الغرفةِ المجاورة لغرفهم، أرادت أن تبقى بالقربِ من الحياة، في الصباح، تخرجُ فتراهم قد سبقاها يتحادثان.

تجلسُ بالقربِ منهم، تتكلم مع الجد، كلُّ ما فيه كان يصغي لها، لم يكن يردْ لكنها متأكدةٌ أنه يراها! مازالت تواصل الحديث عن حياتها، تسردُ له قصتها يوميًا، لا يمل الاستماع، واستغلت هي فكرة صممه.

*****

أيامٌ مرت، فقدت القدرة على العد، ولم يعد يهمها الأمر، لكنها تعرفُ هذا اليوم جيدًا، لأنه اليوم الذي نطق فيه الجد!

ناداها، فارتعبت.. من يتكلم هنا غيرها؟ لم تسمع صوتًا غير صوتِ الصمتِ منذ سنوات!

سألها، هل تعرفين الموت؟

ردت بخوف، لم أجربه من قبل! لكنني قرأتُ مرةً أن روح الإنسانِ لن تكون في الأرض إذا ما مات. ستصعدُ بعيدًا نحو العالم الأبدي!

قال لها: تبقى لي من حياتي هنا أسبوعٌ ثم سأموت، أعلمُ يقينًا أنك تريدين أن تعيشي الآن، أن تخرجي، هل سمعتِ من قبل، أن الجسد رداءٌ للإنسان؟ هل تظنين أن ما ترينه الآن إنسان؟ أنا إنسانٌ يرتدي جسدًا، وسأخلعه..

خالجتها فكرة لم تصرح بها: "ربما استطعتُ العودة يومًا، ربما."

أعاد لها العبارة، هذا جسدي، إن أنا متُّ لا تدفنيني في التراب، البسيه حتى توافيك المنية.

-تسأله، أحقًا أستطيع؟ وكيف سيكون شكلي؟

-مثلُ شكلكِ الذي تعرفين، تعودين كما كنتِ أنتِ.

- تعود لها الأفكار، "لم يكن الجد حزينًا على فراقه الحياة، فقد كان يعرف حكمتها جيدًا.

سيموتُ الجد، فألبس جسده وآخذ الجدة وأعودُ لمنزلنا." ، تفكر أكثر: " أعرفُ أنه غير ممكن".

******

تدخل غرفته،

صباح الخيرِ أيها الجد، صباحك ابتسامةٌ تشبهك، قديمةٌ قدِم الإنسان إلا أنك تفردت بها.

-يتحرك الهواء حوله، قدمتِ إذًا، منذ أسبوع كان يردُّ عليها، الرد الذي يُشعرها بأنه حقًا يسمعها، صباحُ الخير يا روحَ الإنسان. تنظرُ إليه وهو يأكل، متعة تضاهي الأكل بالنسبةِ إليها. تمنت لو أنه لن يذهب، لم تعد تحتاجُ جسدًا، أرادت إنسانًا تتحدثُ إليه.

في اليوم الخامسِ من الأسبوع كما أحصت، توفي الجد.

تواسي نفسها:

(كان معطاءً للحد الذي ظن أنه يستطيع أن يهبني جسده، لقد كان شجرةً. سألتهُ يومًا، هل يمكنني الاستغناءُ عن الجسد، هل أستطيع أن أكتفي بالروحِ هنا؟ لن آكل شيئا، كما أنني لن أفزع الآخرين! أعرف أنني لستُ حيةً الآن، ولا أعرفُ كيف مازلتُ أستطيع التحدث، بالتأكيد لستُ ميتة!

هل تعلم يا جدي أنني لم أكتب منذ ستةِ أشهر، لقد كنتُ أقول: إن لحظاتِ الألم تجرُّ القلم جرًا للكتابة. والآن لما صار الألم آكد فيَّ، والضياعُ محتمٌ عليَّ، لم أعد أكتب!

هل الحياةُ هكذا يا جدي؟ هل علينا أن ننتظر دائمًا لحظةً كهذه، ثم إذا ما جاءت تُسلب منا القدرة بهذه السهولة؟ كنت أقدرُ، كنت أقدرُ أن أعبر بطريقتي يا جدي. لو أنني استطعتُ لما ثرثرتُ أبدًا!

هل تظن حقًا أنني سأستطيع العودة للحياة الطبيعية؟ آكل وأشرب وأنام، أحملُ شيئا معي ولا ينتفض الآخرون فزعًا! أشعرُ فأكتب! هل هذه الحقيقةٌ؟

كان يقول لها: إنَّ الله أقدر.

محزنٌ أن يموت الأمل الأخير، لكن يستحق الرفعةَ الإنسان الطيب.)

*******

في أقصى البيتِ العتيق، يبدأ الجد الصفحة الأخيرة بالمقدمةِ التي كانت تمليها عليه كل يوم، "تعلمتُ أن الإنسان يواجه الحياة وحده، ووحده فقط سيتحمل حقيقة العالم، حقيقة جهله بنفسه، جهله بكونهِ روح. "

"هكذا، كان لحياتي أن تبقى بلا صفحةٍ أخيرة. أن يكون رعيلها روح، ونهايتها الروحُ ذاتها. كم تمنيتُ أن أضيفَ عبارةً أخيرة لصفحةِ الكتاب." يكتبها كما قالت له دائمًا.

الآن صارتِ المراقبة والمتابعة له، إلى الأبد، يراها الآن ترثيه، يعلم أنه كائنٌ غير مرئي مثلها، وأن ذلك الجسد لم يكن إلَّا رداءً إضافيا، لبسه أم لم يلبسه، لا يراهُ أحد.

يواسي نفسهُ (لكنها ستستطيع أن تكتب عندما تموتُ حقًا، بعد عمر، عامين أو أكثر، لا أدري، ستكون مثلي الآن، مثلما أكتبُ قصتها!)، الآن لا تستطيعُ أن تراه، لكنه يراها، ويستطيع أن يكتب.

أنهى الكتابَ الذي أخبرتهُ عنه بهذه الصفحة، كانتِ الورقة الأخيرة!


الشيماء آل فائع

16 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل