شعار مداد.png

تبدأ الحكايات

تبدأ الحكايات غالباً بكان يا مكان ..

ولكن هذه الحكاية مختلفة جداً !

إن لم تكن الأحداث مختلفة عن بعض، فالاختلاف في المشاعر

لهذا لن أبدأ حكايتي بكان يا مكان وإنما سأبدأ بـ:

عزيزي القارئ قد تقرأ الآن بهدف التسلية ولكن أنا أريدك أن تقرأ للتغيير، للبدايات الجديدة.


استيقظت ذات صباح مثل المعتاد متثاقلةً متخاذلة سيئة المشاعر

بالبداية اعتقدت أن هذا الصباح لن يختلف عن غيره

فهو مثل الأمس وقبله وقد يكون كالغد أيضاً، لأنه لا شيء جديد ..

روتين قاتل يسلبك بريقك حتى يتلاشى ! ابتدأ ببطء ولكنه مع مرور الوقت أصبح أكثر سرعة !

لم يبقَ الكثير حتى يسيطر على جُل أطرافي! وحينها؛ التوقف عن الحياة هو أفضل من أن تبقى روحك حبيسة جسدك الساكن المتخشب..

نهضت من الفراش واتجهت للاستعداد ليومي الجامعي كالمعتاد

ارتديت التنورة السوداء مع قطعة علوية سوداء كذلك.

لا أدري لمَ جعلت من ثيابي تشبه روحي كثيراً !

وكأنني أؤمن أن هذا الوقت وهذا الفتور وهذا الانطفاء لن يمضي أبداً ..

خرجت لتناول الإفطار مع والدتي .

صباح الخير يا أمي ، ردت مازحةً : ولك أيضاً يا ابنتي السوداء .

ارتسمت على مقلتي ابتسامةً باهتةً جداً وكأني اخبرها بأنها تقول الحقيقة فعلاً

رمقتني بنظرة مليئة بالشفقة فقالت: يا صغيرتي إلى متى ؟! نظرت إليها باستغراب باحثةً في بريق عينيها عما تقصد ، وسرعان ما اتضح لي أنها تقصد فتوري وانطفائي هذا !

أجبتها بمثل تلك الابتسامة الباهتة : الوقت يا أمي، الوقت كفيل بأن يغير كل شيء

أجابتني: لا تنتظري الوقت كثيراً يا ابنتي فقد يطول، وقد لا يأتي، وقد يأتي وأنت بعكازتك فلا يسمنك أو يغنيك من جوع ! فابدأي التغير من نفسك، من داخلك، فإن تغير داخلك تغير كل شيء ، فقط فإن الله مع من يسعى يا صغيرتي .

قبلت جبينها وخرجت من المنزل متجهةً إلى الجامعة وكلماتها تدق طبولاً في داخلي .

في السيارة عند الإشارة الحمراء ومع تأملي في أرجاء الطريق لمحت رجلاً كهلاً أمام منزله في الشق الآخر من الطريق يشرع في غسيل سيارته وهو يبتسم ويطرق السلام على كل المارة وتارةً تكبر هذه الابتسامة فتصحبها القهقهة وتارةً تعود ولكنها لم تضمحل أبداً كانت الابتسامة تغمر محياه طيلة فترة توقفي ! فخاطبت نفسي ما الذي عاشه حتى يصبح بهذه السعادة أو الراحة ؟

وهل حينما أكون في عمره سوف أكون مثله ؟ أم أن حالي هذا سيزداد سوءاً عندما أهرم ؟

بدأت هذه الأفكار تقرع الطبول بداخلي بصورة أقوى وشعور أعظم وخوف أكبر

وكأن شرارة الإنطلاق للتغيير بدأت بالانشعال أخيراً ..

وصلت للجامعة وكان ذلك اليوم أشبه بعدم حضوري فقد كان عقلي منذهل مغيب، وشرد الفكر بأمور أعمق مما أظن، وطرأ عليه حالي سابقاً كانت لدي هوايات غفت تحت أسمال انطفائي !

وكانت لدي انجازات دثرها انطفائي حتى نسيتها وما عدت أعرفني !

كانت لدي غرفةً صغيرة في الشق الأيمن من منزلي ! كانت تضم شعلتي ! كانت تضم ضوئي وبريقي فكيف حجبتها عني ! حتى انطفأت وحتى اكتساني هذا السواد كله وحتى تملكني شعور أنه ليس لدي ما أنجزه ، اعتقدت أن بطاريتي نفذت ! بينما أنا حجبتها بباب كان ينقصه مفتاح قفل فقط! للدخول وشحن بطاريتي ..

شرعت بالخروج من الجامعة ، لأول مرة أردت الوصول للمنزل سريعاً لأول مرة أستشعر زحام الطريق ولأول مرة أكتشف أشياء جديدة ! وصلت أخيراً إلى المنزل ..

دخلت بأقصى سرعة متجهةً إلى الشق الأيمن لمنزلي مع اندهاش والدتي وعينيها تلاحقني مع هذا الركض المستمر ..

أخيراً أنا أمامها ! أمام تلك الغرفة التي سوف تغير مشاعري بكاملها ! غرفة البدايات الجديدة!

غرفة التغيير ..

دخلتها فإذا بالغبار يكسي أرجائها فأنا منذ قرابة العامين لم أمر بجوارها ..

بدأت أنفض الغبار وأرى ما بين الصناديق وما هو معلق على الجدران ، وجدت روحي التي انشطرت بين شتات الأشياء ! وجدت الإنجازات المكللة بالنجاحات وشهادات التقدير وشهادات التفوق

وجوائز عدة على مستوى المحافظات والمدارس ! وجدت نماذج المسرحيات التي كتبتها وجسدتها أثناء التطوع ! وجدت صوراً لأصدقاء إنجازاتي الذين أبعدني الانطفاء عنهم ، وجدت مكتبة الكتب التي اعتدت الانغماس فيها كثيراً ، وجدت لوحات رسوماتي ..

بالمختصر : وجدتني أخيرا !

شرعت بفرد سجادتي وبدأت اللجوء إلى خالقي وتمتمت بكلمات لأول مرة أخرجها من قفص صدري

لأول مرة أشعر أنها خالصةً من عمق فؤادي:

" ‏يارب إنّني تُهت منّي فأعدني إلى صوابي ، أعدني إلى سابِق عهدي أو قُدني لأحسن منه ، فإنّني لم أعتد على انطفاءِ نجمي وفتور عزمي، ولم أعتد على كل الفراغ الذي حولي والذي استعمر قلبي ، فـ اللهُم قوّني ، وأرشدني .. وقبل جميع ذلك اهدني ورُدنّي إليك رداً جميلاً."

طويت سجادتي مع شعور كبير من الارتياح وبدأت إعادة ترميم غرفة ذكرياتي وجملتها بحلة جديدة وأيقظت هواياتي من تحت أسمالها ..

فأصبحت غرفتي تلك غرفة البدايات الجديدة و"غرفة تغيير المشاعر" التي أهرب إليها كلما شعرت بنفاذ بطاريتي نحو الإنجاز والأحلام لأعود وأكمل المسير ..


عزيزي القارئ هذه حكايتي أنا ، قصصتها عليك لأشعرك بأهمية غرفة تغيير المشاعر لكل واحد منا

لكي تعيد بريقه من جديد

ليس من الضروري أن تكون غرفةً كاملة ، يكفي أن يكون لديك حيزاً صغيرا في غرفتك يشعرك بشعلتك وبريقك . وقد يكون أبسط من ذلك كله فتكون غرفة تغيير مشاعرك هي سجادة تناجي من خلالها الذي سواك وخلقك والذي قادر أن يسيّرك والذي يرقب دعاءك كي يغيثك وينتشلك من كل السوء الذي أنت فيه .

عزيزي القارئ حرر نفسك من كل هذه القيود واسأل نفسك : أما آن الآوان لك أن تتغير ؟

هذه نهاية حكايتي أنا وبداية حكايتك أنت . بم ستبدأها ؟

ندى آل بريك





12 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل