شعار مداد.png

تلميذ النجوم

جلس يراقب النجوم من نافذة غرفته الوحيدة، حائرًا يتخبّط عقله بين جدران المكتب التي بدأت تضيق شيئًا فشيئًا لتطبق على نفسه وأنفاسه، فلا تكفيه أن أثقلت الحيرة كاهله وهي تصاحبه لأيّام منذ أن أتاه العمدة ليطلب إليه أن يجعل من ولده عالمًا مثله، بصفته العالم الوحيد في البلدة، وأن يعلمّه كلّ ما كان قد تعلمه من أساسيّات عن كلّ ما يمتّ للعلم بصلة ويساعده لتحديد وجهته ليختصّ فيما بعد في إحدى الجامعات العريقة كما فعل هو بالضبط. لكنّ ذلك صعبٌ عليه بالفعل، بلّ في قمّة الصعوبة، فلم يقم أحدٌ بتعليمه، لم يلقنّه أحدٌ درسًا من قبل سوى والدته التي علّمته في صغره كيفيّة الكتابة والقراءة وتركته ليبحر في الكتب وحده مستخلصًا منها ما ينفعه حتّى يصل لذلك السنّ الذي يسمح له بارتياد الجامعة، ولم يكن وضعه أفضلَ هناك، فقد كان يقضي وقته بالأشغال العمليّة أكثر من الجلوس في الصفوف أو الإنصات لنخبةٍ من العلماء وهم يشرحون نظرياتهم المكتشفة حديثًا، ولم يكن سلوكه ذاك يرضي أساتذته ولكنّ ما أنجزه خلال سنين مكوثه هناك كان كفيلًا بجعلهم يغضّون أبصارهم عن ندرة كلامه ووحدانيته، بلّ سمحوا له بمشاركتهم الكثير من الإنجازات العلميّة، وإنّ كلّ السنوات التي قضاها هناك شحذت فكره ووهبته الخبرة ومنحته الكثير من أدوات البحث الأصليّة التي لم يكن يعلم عنها شيئًا لتساعده في البحث عمّا كان يسعى في إيجاده والذي حفّزه ليصبح عالمًا.

عاد بعد ذلك، بعد ست سنواتٍ تقريبًا إلى بلدته بصفته عالم البلدة الوحيد، وحظي بذلك الصيت على احترام البلدة صغيرها وكبيرها، وأراد إنجاز ما كان يسعى له طوال حياته وهو أن يكشف تلك الألغاز التي وضعها نصب عينيه منذ صغره والتي أخفى أمرها لأنّه أراد أن يكتشفها هو بنفسه. عاد محمّلًا بالأمل علّه يجد ما كان يسعى لإيجاده وقام بالاستعانة بوالدته مجدّدًا ليبني ذلك المختبر المنشود ويبحث عمّا يزال محجّبًا بألف ألف حجاب. وأخذ يعمل في مختبره بسلام لأشهر بعد أن أتمّ بناءه وجلب العديد من الأدوات بمساعدة معارفه من الجامعة، إلى أن قدم العمدة بصحبة ابنه الأصغر الذي طالما حلم بأن يصبح عالمًا بأن يكون مثله لا يكلّ ولا يملّ ساعيًا وراء المعارف يلتقطها واحدةً تلو الأخرى ليكتشف أسرار الكون التي كلّما كشف عنها ستارًا، اكتشف أنّه في الواقع غطاها بآخر أشدّ منه قتامةً وإبهامًا ولكنّ ذلك كلّه ضاعف من شغفه وفضوله وهو أحبّ ما لديه.

وما أزعجه في الحقيقة وجعل من الحيرة رفيقًا له طوال الأسبوع السائر، هو أنّه سيصبح أستاذًا مرافقًا لولد العمدة الذي لن يستطيع أن يرفض له طلبًا فما كان بمقدوره الوصول إلى ما هو عليه الآن دون التسهيلات التي قدّمها له العمدة الذي كفله بعد وصيّة والده والذي كان من أعزّ أصدقاء العمدة. وهو لا يطيق وجود أحدٍ معه؛ حيث أنّ أسوأ اللحظات في حياته كانت تلك التي كان يعمل فيها مع زملاءه أو أساتذته والذي اعتادوا على صمته الخانق في نهاية المطاف، فهو اعتاد المكوث والعمل وحيدًا والسبب الذي جعل الناس من حوله يعتادون على ذلك هو أنّه لا يتكلّم ولا يؤذي ولا يجرح أحدًا، بالإضافة إلى ذكائه الوافر وقدرته على حلّ مشكلاته ومشكلات غيره بحذاقةٍ فائقة فيتركونه لنفسه ومع نفسه فيتساعدا ليصلا إلى منالهم سويًّا. كما أنّه لم يعلّم أحدًا من قبل، ولم يتلقَ دروسًا من أحد حتى يعلّم أحدهم، كما أنّه بحاجة لكثيرٍ من الوقت وكثيرٍ من التركيز لحلّ مشكلته الأبديّة التي طالما ملأت جلّ عقله وجعلته شاردٍ الذهن في أغلب الأوقات.

أخذ ينظر للنجوم علّه يجد في نورها ما ينير ظلمة عقله، علّها تسحبه إليها وتبوح له بما يجب فعله غدًا ولكن هيهات، هيهات. لذا، فكلّ ما عساه يفعل هو انتظار الوقت الذي سيقابل فيه تلميذه الأول وربّما سيكون الأخير، فموعدهم الصبح، والصبح ألا وهو قريب. أطفئ النور وخلد إلى فراشه البارد ووسادته التي ستشاركه حمل عقله المثقل بالتساؤلات.

أيقظته أمه في صباح اليوم التالي، فتناول فطوره بسرعه وأخذ كوب القهوة السوداء الذي أعدّته له أمّه واتجه إلى مختبره الكائن خلف منزل والديه.

وما هي إلا هنيهات حتّى دخل العمدة وولده. كان ابنه صبيًّا ذوعشرة أعوام، نظيف الثياب، أنيق المظهر، وفي عينيه بريق الحذاقة والثقة. غادر العمدة بعد أن قدّم ابنه للعالم ولكنّهما بقيا ينسجان الصمت للحظات طويلة دون أن يقول العالم شيئًا بل ظلّ جالسًا خلف طاولته يقلب الصفحات بلا هدف إلّا أنّ الفتى سئم الانتظار وبدأ بالكلام هو عوضًا عن العالم فقال:

"سمعت أنّك عالم بارع، وأنّ صيتك ذاع في الأنحاء ووصل إلى المدن المجاورة ولكنّني أراك حائرًا، عاجزًا عن الكلام أمام تلميذك الذي يصغرك بسنوات، أما من شيء تقوله لي، مللت الوقوف هكذا ومللت النظر إليك وأعتقد أنّك مللت التحديق بي هكذا، فما عسانا نفعل الآن"

ظهرت أمارات الاستغراب والارتباك على وجه العالم فهو لم يتوقّع كلامًا مشكّكًا بقدراته من فتىً في عمره أو من أيّ أحد غيره فلقد قابل الكثير من الأشخاص العظماء ولم ينتقده أحد لسلوكه اللاجتماعي أبدًا. ظلّ محدّقًا بذلك الصبي لوقتٍ طويل دون أن ينبس ببنت شفة، فتكلّم الفتى مجدّدًا:

"حسنًا ليس عليك أن تتكلّم، لم أعلم أن كلامي صعب للغاية حتى تجفل هكذا، ولكن لا بأس... هلّ لي إذًا أن أعلم ما سنقوم بتعلّمه اليوم؟ أو ليس عليك أن تتكلّم إن كان ذلك يزعجك، يمكنك فقط أن تقدّم لي كتابًا فأقرأه، فإنّي قد مللت الكتب الموجودة في مكتبة المنزل، لم تعد تشبع شغفي"

أخذ العالم يفكّر وبدأت أمارات الارتباك تظهر على وجهه الذي أخذ لونه بالرحيل رويدًا رويدًا، كيف لفتىً بنصف عمره أن يتكلّم بطلاقةٍ كهذه، كيف له أن يتفوّه بانتقادات وكلام يفوق عمره فعلى الرغم من كلّ ما تعلّمه هو في كلّ تلك السنين لا يبدو أنّه يستطيع الكلام هكذا، وما وجد نفسه إلّا أن نهض لاشعوريًّا لإحضار بعض الكتب التي يرى بها بداية جيّدة لمتعلّم جديد ووضعها أمام الفتى الذي أخذ يتفحّصها بفوقيّة مطلقة، وتناول إحداها بيده وأخذ يلتهم الكلمات التهامًا.

أمّا العالم التائه عاد إلى كرسيّه ليفكّر، لم يشعر بذلك الشعور من قبل؛ شعور الضياع والتفكير بما يفسر به ذلك الضياع فهو لا يعلم ماهيّة ما حلّ به فجأةً ولا يبدو أنّ ما تعلّمه في السنوات التي خلت كافيًا لأن يشرح ما يشعر به في الوقت الحالي خصوصًا أنّه لا يدري بماذا يشعر.

ظلّ العالم يراقب الفتى وهو يقرأ الكتاب بشغفٍ واضح وهو ما يزال تائهًا في حنايا أفكاره التي ما انفكت تزداد لحظةً بعد الأخرى حتى جاء حاجب العمدة لأخذ الصبي والذي قال عند خروجه: " أرجو أن يكون لديك ما تقوله غدًا، عمت مساءً"

مازالت الأفكار تتحدّث في عقله وتحاول تفسير ما يشعر به، وهو يطفئ أنوار المختبر، وهو يحمل أغراضه وهو عائدٌ إلى المنزل، وهو يتناول العشاء الذي أعدته له أمّه إلى أن ارتمى بجسده وعقله المجهد من التفكيرعلى سريره حيث أخذت الأجوبة والاستفسارات تتسابق لتثبت نفسها داخل عقله. أيعقل أنّ ما أزعجه هو عجزه عن الردّ؟ أم إنّه الانبهار بعينه من حذاقة ذلك الصبي؟ أم لأنّه انتقده وكانت تلك بالفعل أوّل مرّة يوجّه أحدهم انتقادًا إليه فذكاءه العلميّ طغى على كلّ ما فيه من عيوب، ألا وهو الذكاء العملي الذي أبقاه بهذه أحال، فجلّ من عاشرهم كانوا أولئك العلماء الذين لم يهمهم في الواقع سوى علمه وعبقريته، أمّا كلامه الذي يكاد أن يكون غير موجودٍ أصلًا، فلا يعنيهم طالما أنّه يؤدّي واجباته العلميّة على أتمّ وجه بل ما يفوق التمام، أم لربّما أنّه اكتشف ضحل معلوماته في مجالٍ من المجالات! وإذا بتلك الكلمات ترنّ في عقله بصوتٍ قويّ أنهضه من فراشه مرتعدًا، لقد ظنّ أنّه تعلّم كلّ شيء وأصبح قادرًا على السعي وراء الألغاز التي طالما أثقلت كاهله، لكنّه لا يدري أنّه غفل عن أهمّها وهو كيفيّة التواصل مع الآخرين، ومناقشتهم والسماع لآرائهم وانتقاداتهم والردّ عليهم بشكلٍ مفهوم يليق بعالمٍ في مثل ذكائه ، ومع ذلك كلّه، فإنّه لم يكن يظنّ يومًا أنّه سيحتاج إليه. تحوّل الضياع الذي كان يشعر به منذ لحظات إلى غضب، إلى غيظٍ من ذلك الصبي الذي لم يدرك الأثر الذي أحدثته بعض كلماتٍ باح بها في نفس هذا العالم، ومن نفسه التي غفلت عن تعلّم إحدى أهمّ العلوم، نهض ليمشي في غرفته علّ الشرود يذيب الغضب الذي شعر به. وما هي دقائق حتّى أخذ الهدوء يعتلي وجهه ليفكّر بما وضعه يومًا نصب عينيه وهو أنّ الاعتراف بالجهل في أمر من الأمور يحفّز العقل على النهوض، يشعل فتيل الفضول لاكتساب معرفةٍ جديدة؛ فهذا ما فعله العلماء الذي خلوا من قبله حتّى أنجزوا ما أنجزوه وما كان لديه سوى أن يجعل من الصبي كتابًا فيتعلّم منه ما ينقصه ويكون للصبيّ كتاًبًا ومعلّمًا حتّى وإن كان ذلك شاقًّا ولكن العلم والإيمان بقدرة العلم ستبدّد كلّ مبهمٍ في النهاية.

نظر إلى النجوم مبتسمًا وقال: "عمتنّ مساءً" علّه يكون أول تواصل له ثمّ خلد إلى النوم مرتاح البال.



عفراء الزعبي

26 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل