شعار مداد.png

جمال حديقة


ولادة جاءت على القرية كغمام أسود، غطى سماها منذ ذلك اليوم، وُلادة طفلة بشعر أحمر ونمش انتشر على وجه أبيض كالموتى، لتدخل ضمن قصص الرعب التي تُروى للأطفال حتى تمنعهم من الاقتراب أو مجرد التفكير في المغامرة تجعلهم يتراجعون مئة خطوة للخلف .


كبرت فتاة الشعر الأحمر، وبجديلتيها التي أضفت الحيوية على روحها المزهرة كزهرتها التي انتصفت ياقة فستانها، والآخذ من الطبيعة لونها الأخضر الجميل، وكل تلك المواصفات امتزجت مع حديقة قلبها، لتجعل ابتسامتها دائمة الارتسام على محياها، دون حتى أن نتنبه الى أقوال وأفعال الأطفال من حولها، فوالدتها سندها الكافي والغاني عن كل الملذات الأخرى .


بقيت الصغيرة تخرج كعادتها مع أمها إلى المزرعة تقديماً للمساعدة مُصطحِبة معها كلبها الصغير، لتقف بعد تقديم ما تستطيع من يد العون للحصاد، بالقفز من فوق الحبل الذي تمسك طرفيه وتدور به حول جسدها من الأعلى وحتى الأسفل، بينما تستمع بغناء مقطوعة والدتها المفضلة، كلماتها كانت وصفاً لذات الشعر الأحمر وجمالها الذي لم يره ولن يراه أحد ما دامت عيناه مغلقة.


حتى جاء اليوم الذي انضمت به الطفلة إلى المدرسة، وبدأت بالاختلاط مع الآخرين بشكل أكبر، لتلحظ الفجوة الكبيرة بينها وبين البقية، وكأنها برعمة زهر طارت بذرتها وحطت في مكان بعيد عن أخواتها لتنمو في مكانها المتطرف، مكتفية بالنظر إلى المتعة التي يتبادلها بقية البراعم دونها .


بدأ الاكتئاب يصب عليها من سائله، مسيلا الدموع من عينيها ولأول مرة تراها والدتها بذلك الأسى، فقد اعتادت رؤية فتاتها بحيوية وابتسامة لا تفارقها، وبضحكات تشارك بها كلبهما الصغير .


لكن ما بقي الآن من تلك الوردة الحمراء هي بضع بتلات مالت ساقها لعدم وجود ما يسقيها بمحبته.


اقتربت الأم من فلذة كبدها، لتقرفص أمامها وبابتسامة هادئة أخبرتها : عزيزتي، أنتِ جميلة، ولو تحدث الجميع عنك، فهذا يعني أنهم عميان، لا يرون سوى البشع منهم، يكفي روحك التي تجذب كل من يراك إليه .

مسحت الصغيرة دموعها، وبقوس حزنها تحدثت: لكنهم لا يروني هكذا، ولم ينجذب إلي أحد كما أخبرتني، أنا أكره نفسي، أكرهها .


حنت الأم بمسحة على رأس طفلتها، لتجيبها على تشاؤمها بمنطقية: أخبرتك أنهم عميان، لذا هم حتى لم يستطيعوا اكتشاف ما تحملينه من حديقة جميلة بداخلك، صدقيني ياذات الشعر الأحمر، إن كرهت نفسك الآن فستثبتي لهم سوء حديقتك.


لم تقتنع الطفلة بكلام والدتها، لكنها ابتسمت مجاراة فقط، والأم قد فهمت.


سارت الأيام وذات الشعر الأحمر تعاني يوماً بعد اليوم إساءات لن يتحملها بشر، تنمر بعد الآخر وكلام انتشر عن أنها ابنة ساحرة البحيرة، وأن من تربيها في الكوخ الخشبي امرأة تطوعت والأجدر أنها أُجبرت على ذلك.


بقيت تدافع عن نفسها، ترفض ما يقال عنها وأمها، حتى تحداها أحد الأولاد بالذهاب إلى البحيرة، حيث يتحول الأطفال عندها الى دمى صوف تنسجهم ساحرتها، لذا إن عادت ذات الشعر الأحمر فهي ابنة الساحرة، وإن لم تعد فهي ابنة أمها فعلا .


عادت إلى منزلها غاضبة تنفخ خديها بعبوس، ولم تنطق أمام أمها بكلمة، وهي تفكر جديا بالذهاب، وهذا ما تحول إلى قرار في اليوم التالي، لتنطلق إلى البحيرة مع كلبها الصغير من الصباح الباكر وقبل استيقاظ القرية، وعلى جذع شجرة مقطوع وقفت تنظر بشجاعة نحو البحيرة متحدية الساحرة بالخروج أمامها، إلا أن المكان بقي هادئا، ولم يحدث شيئ مما تناقلوه.


عبست وبدأت بالقفز على حبلها، مغنية كلمات وصفها، ورويدا رويدا ابتسمت مع ذكريات والدتها وجهدها الذي بذلته ولا زالت تبذله لإعطائها كل الحب وابعادها عن بغضهم لها، بوقوفها أمام كلماتهم لتصدها عن صغيرتها، فلما لا تستحق مجرد مغامرة للإعتراف بها ؟.


بقيت تردد تلك الأغنية بصوتها العذب حتى توقفت عن الحراك بعد قفزة والحبل عاليا، ليبدأ الكلب بالعواء عليها علها تعطيه الرد، لكنها تحولت دمية من صوف جامد.


" لا يرى الحديقة سوى من يبصر ".


ميمونة قاسم





15 عرض