شعار مداد.png

حبيسة الحال

تم التحديث: نوفمبر 11

لأول مرة أراني خائفة من الكتابة، يدي ترجِف أكثر كلما امسكتُ القلم..

ربما لأنها المرة الأولى التي سأكتب فيها عني؟! ربما لكوني أسيرة في جدران بنيتها بطوب الذكريات؟!

ربما لأني حكمت على نفسي بالمؤبد، وبالعذاب تحت وطئ المشاهد التي تصورها ذاكرتي؟!

وربما لكوني.. لكوني ببساطة عاجزة عن تحريك جميع أطرافي إلا يدي اليمنى، التي لا تكف عن اهتزازها المزعج!


تعود بي ذاكرتي الآن لذاك المكان؛ فوق جبل أخضر بديع اللون، قوس قزح رسم فوق مجموعة من الغيوم في السماء، عصافير تغرد فوق الأشجار، وأرى من بعيد أمواج البحر تترطم كمشاعري الآن.


لو كنتُ في وضع غير الوضع الذي كنت عليه لأصبتُ بالذهول، والتقطتْ عشرات بل مئات الصور ولكن حينها كنتُ لا أرى سوى الظلام، عيناي لا تبصران سوى الأشجار المقطوعة على حافة الجبل، الغراب يطير في الأجواء و غيوم سوداء تنبأ عن هطول مطر لا يتوقف.


أغمضتُ عيني، وكل خطوة أخطوها أراها نجاة لي من كابوسي، لم يتبق سوى خطوة وأحلق عالياً وأترك تلك الحياة القاسية.. ولكن!! بدل من أن أحَلق في السماء هويتُ إلى الأسفل، شريط حياتي كله مر في ثانية واحدة أمامي، ولحظات من بعدها شعرت بألآم نتيجة ارتطامي بصخور الجبل.


فقدت الرأيَ ومن بعدها دخلتُ لعالم آخر!


أمي تطبخ الغذاء وأخي الصغير بالقرب منها يلعب، ولكن من أخي الآن عمره عشرون عاماً! خرجتْ ورأيتُ كلبي جُوني يركض خلف أبي، كم اشتقتُ لوالدي، لم أره منذ زمن بعيد.


جدتي تخبز بالتنور كعادتها، جدي جالسٌ يشرب الشاي، العمة أمينة تطل من النافذة وتنادي على طفلها مؤيد.

أذان العصْر والجميع هموا إلى الجامع والنساء إلى بيوتهن لتلبية نداء الرحمن؛ كم أنا سعيدة. لم أتصور أن موتي هو رجوعي لتلك الأيام العزيزة على قلبي.


بعد سبع دقائق بالنسبة لي، وسبع سنوات كما زعموا،

فتحتُ عيناي ووجدتُ أمي جالسة بالقرب مني، يغزو الشيب رأسها.

- أمي هل أنهيت الغذاء؛ ما هذا الشيب الذي يغزو رأسك؟! لما كبرتِ هكذا، أين أنا؟!

هذا ما نطق به لساني، التفتْ أمي نحوي وحضنتني كما تحضن مهاجر عاد لوطنه، أردتُ إبعادها قليلًا كي أنهض ولكن يداي مكبلتان لم أستطع الحراك.


نظرتُ حولي لأنزع القيود التي تكبلني ولكن لم أرها، لا يوجد شيء.

صرخت بوجهي أمي.

- حرريني!


ازداد بكائها وحضنتني من جديد، حاولتُ تحسس جسدي ولكن لم أستطع تحريك يداي ولا رجلاي، لم أستطع أن أحرك شيئًا سوى مقلتاي؛ أي قيد ذاك، أي قيدٍ خفي قيدتُ به؟!


دخل أخي وبنظرة لوم تسكن عيناه، قال..

- نجوتِ من الموت، سبع سنين بغيبوبة ولكن كان عقابك على ما اقترفتِ أن تصبحي مقعدة، بل عاجزة يا أختي عن تحريك أطرافك إلا يدكِ اليمنى نتيجة لضمك إياها أثناء سقوطك!


صرختُ بأعلى صوتي..

- أريد أن أعود، أريد أن أعود.


أغمضتُ عيني لأرجع للمكان الذي كنتُ فيه، وإلى الآن أغمضُ عيناي أريد العودة، ولكن قيود انتحاري قيدتني ولبثتُ أسيرة المكان، أسيرتْ جسد لا يقوى على الحراك، والأسوأ من ذلك أني أصبحتُ أسيرة نفسي.


وسق الأزهري



12 عرض