شعار مداد.png

حرب نفسية


تائه بين مشاعر القلق والتوتر والخوف ولا يمكنني إيقاف ذلك، أشعر بأنني منذ أن ولدت وأنا اخوض حربًا على نفسي وعلى العالم.. أغمض عينيَّ أرغب بأن استنشق هواءً نقيًا؛ أريد أن أهدئ من روعي.. فلا أفعل ذلك حتى أفتح عينيَّ بسرعة باحثًا عن من كان يريد خنقي.. خائفا منتظر للأسوأ، القلق رفيقي بل قريني.

أكاد أن أجزم بأن لم يراني أحدًا مبتسمًا سوى مرتين وكلتاهما يعلوهما الزيف.. المرة الأولى يوم زفافي حتى لا يقال بأنني مجبر، على الرغم من كوني مجبرا.. كان زواجي أشبه بانقطاع آخر حبل وصل بين والداي لذلك رغباه بشدة، ليلتفت كل واحدًا منهم لأسرته.. دون وجود العائق أنا.. من كان يسحبهم لماضيهم.

"لا تدخل أي مكان ألا وتلاحقها نظرات الإعجاب من الجميع، جميلة بشكل ساحر تأسر قلب كل من يراها" هكذا تصف والدتي زوجتي.. وربما كنت أنا الوحيد التي لا تطغى عليه هذه النظرات.. لم أستطع يومًا رؤية جمالها كنت أحاول دومًا أن أخترق روحها؛ لأطمئن.. ولكن الفشل كان حليفي.

تعتري زوجتي ملامح التساؤل كلما نظرت إليها، كانت تشعر دومًا بأنها ضمن اختبار تجهله ولكن تأمل النجاح به، اختبار أنا من وضعه.. تلك المسكينة.. حاولت مرارًا وتكرارًا فهمي وتقبلي وتحسيني، كان ذلك دافعها في الستة الأشهر الأولى ولكن تلاشى تدريجيًا وحل محلها الخوف من حمل لقب مطلقة.

أخبرتني مرة بأنها أصبحت أكثر استشعارًا لوجود الرب، وبأنها أصبحت تعي معنى أن تكون تحت أنظار الرب على مدار اليوم.. فهي لا تستطيع الفرار من مراقبتي فكيف لها الفرار من مراقبة الرب؟ ثم ضحكت ضحكة مليئة بالتوتر لتلطف الجو.. ابتسمت لكي لا أضيف المزيد من التوتر وكانت تلك ابتسامتي المزيفة الثانية.

مضت سنة وشهرين لا تزال علامات التوجس والقلق ظاهرة علي ولم يكن بالأمر الجلي، ولكن زوجتي شحب لونها، قلت ابتسامتها، أصبحت تمارس القلق مثلي.. تحاول أن تدرك علتي، ما الدواء لشفائي.. كنت أتوقع منها الاعتياد على حالي لا محاولة شفائي.. كنت أرغب منها أن تتعامل معي كما يفعل الجميع غير آبهين بوجودي أو برحيلي.. منسي كقطعة منديل في جيب أحدهم.. ولكن كانت مختلفة لا أعلم هل اختلافها نابع منها أم لقب الزوجة يضفي عليها ذلك الاختلاف.

مضت سنة ونصف أشبه بالحقيقة لخمسة سنين.. ظهرت عليها بعض التجاعيد، هالات سوداء، بريق عينيها رحل هاربًا منها.. لم تكن بخير والجميع مدرك لذلك وكان السؤال عن حالها دائمًا موجهًا لي متناسين بأن بإمكانهم سؤالها.. شعرت بأنني مجبر لتمرير سؤالهم لها فسألتها على مضض "أأنتِ بخير؟" وعلى ما يبدو بأنني تأخرت كثيرًا بالسؤال أو كان من المفترض عدم السؤال، ابتسمت ثم تحولت الابتسامة إلى ضحكة وتدريجيًا إلى بكاء مستمر مع تلفظها ببعض الكلمات غير المفهومة ولكن غالبًا كانت شتائم.

أحضرت لها الماء لتهدئتها وكنت أنتظر تفسير لما حدث.. "كنت أحاول فهمك بشتى الطرق أردت إنقاذك من الحفرة التي أنت بها لكني سقطت بها على غفلة مني.. فهل أنا بخير؟ كنت الوحش الذي أنتظره يقع في حب الجميلة.. ولكن لم أدرك بأن وحشي لا يملك قلبا، فهل أنا بخير؟؟" عم الصمت بيننا.. كانت تنتظر مني جوابا أو اعتذارا على كل شيء ولكن صمت كالأموات، كان الجميع ينتظرون مني اعتذارا لكوني أنا، لم يدرك أحدًا بأنني لست سوى نتاج ما زرعوه بي.. فلم لا يعتذرون هم لي؟

قاطعت صمتنا وسألتني بصوت منخفض أشبه بمن يحاول أن يتشبث ببصيص أمل أصله سراب "الن تقول شيئًا؟" أدركت بأن جوابي هو الصمت. عزمت على الرحيل لم احاول ايقافها.. أكانت تنتظر مني تفسيرا لكوني أنا لتبقى معي؟ لا أعلم.

غادرت زوجتي محملة بالخيبات، بكيت.. لم أبكِ لرحيلها.. لم يؤلمني رحيلها، ما آلمني حقًا هو أنا، كوني أتعايش مع ذاتي بصعوبة ولكنني أنجح في نهاية المطاف.. اتأقلم مع قلقلي وتوتري وخوفي.. حتى تأتيني تلك الصفعة لتذكرني بأنني أسير في الطريق الخاطئ.. فيعاود ذلك الحلم يرادوني بوجود تلك الغرفة السحرية التي أستطيع من خلالها استبدال تلك المشاعر لأتذوق طعم الاطمئنان لأول مرة، وما إن أستيقظ حتى أعي واقعي.. فأعود لممارسة الأرق حتى يختفي ذلك الحلم أو اختفي أنا.


رهف

10 عرض