شعار مداد.png

حياة سوداء

-التاسعة والنصف مساءً بتوقيت مدينة الرياض


تأخذ ورقة من على المكتب لتكتب عنواناً لتلك الصفحة الوحيدة المبتور أسفلها "بداية علاجي من قاتل المتعة" لتبدأ مع بداية السطر: الليلة الأولى، أول جرعة من الدواء الصغير الذي وصفه الطبيب قائلًا بأنه سيجعلني أنام دون أرق حين أصل إلى الجرعة العاشرة.


تركت مسافة كبيرة لتتمه حين تستيقظ، كانت تعاني لعدة سنوات من أعراض مختلفة لم تجد لها حلًا حتى أنها قبل سنوات عديدة طلبت من والدتها أخذها لعل أحد الأطباء قد يعرف ما بها من حال، فالأرق كان صديقًا صدوقًا لا ينكف عن زيارتها كل ليلة ولا يودعها حتى يأتي الصبح، وإنه في أحيانٍ يدوم ولا يرحل إلا بعد عدة ليالٍ وأيام، فقالت لها والدتها دون أن تأبه لجل ما أصابها بأن ذلك بسبب البعد عن العبادات، وأن قراءة القرآن ستجعل ذلك الأرق يهرب كما يهرب الجان، ولكنه لم يكن شيطانًا ولا جان، فقد كان مختلفًا ومتشبثًا كطفلة تمسك بشعر لعبتها، وذلك لشدة تشبث ذلك الصديق برأسها.


كانت تستيقظ -هذا إن كان النوم قد زارها- في كل صباح وهي تشعر بثقل في قلبها وكأن قلبًا يزن مئة طن قد وضع بداخلها، لا تستطيع فتح عينيها فالأرق قد تمكن من جعل هذه العينين الجميلتين باهتتين مظلمتين وكأن كلما تراه سوادًا أو هذا ما كانت تراه. تدخل المطبخ لسد تلك الأصوات المزعجة الصادرة من معدتها، فهي لم تأكل يومًا لأجلها وإنما لإسكات تلك العصافير الجائعة المجتمعة في بطنها الصغير، تفتح الثلاجة لتجد قالبًا من الحلوى واصناف مختلفة من الفواكه وعدة أطعمة أخرى، أخذت القليل من قالب الحلوى وهي تعلم بأنها لم تأكل شيئًا منذ ثلاثة أيام ويجدر بها أكل طبق حقيقي لا قالبًا من الحلوى "ولكن من يهتم؟" تتردد هذه العبارة في كل مرة على ذهنها لتفعل ما يحلو لها وإن كانت تعلم بأن ذلك لن يكون في مصلحتها.


مرت سنوات وحالتها كانت تسوء شيئًا فشيئًا؛ فلم تعد تخرج من المنزل نهائيًا، ولم تكن تستطيع أن تذاكر دروسها رغم أن لديها طموحًا ولكنّها تشعر وكأنما أحلامها قد قتلت، تأتي لتزورها تلك الدموع في كل شهر مرةً وأحيانًا تنسى الزيارة، كانت تجد في الدموع راحة فلم تكن تستطيع البكاء أبدًا، حاولت عدة مرات أن تودع هذه الحياة رغم أن لديها أصدقاءً لا ترغب بفراقهم، ولكنها تعبت من الحياة، وتعبت من نفسها، ولكن لعل بأن إحدى سلبياتها قد أنقذتها؛ فهي تفكر في كل شيء ألف مرة، وتحلل كل شيء ألفًا أخرى، فهي تفكر في حال عدم نجاح محاولتها وتفكر في حال نجحت فهي تخشى أن تعيش صراعًا آخرًا بعد الممات.


لقد كانت ترغب في حياة هادئة، حياة طبيعية تواجه فيها ضغوط الحياة ليأتي يوم جديد ينسيها الآخر، ولكن كانت حياتها متشابه، فعلت كل شيء لأجل تغييرها، حتى أنها تكون سعيدةً للحظة ليأتيها ذلك الحزن الفظيع في نفس اللحظة، تكون بين أحبابها لتهمس لها الكآبة قائلة: الآن سينتهي كل شيء وتبقين وحيدة مع الأرق دون أحد، لن ينقذك أحد ولن يعرف بحالك أي أحد.


الجميع يهاجمها بأنها تغيرت، ولكن في الحقيقة فهي تعبت من صنع تلك السعادة المزيفة، وتلك الضحكات السعيدة لم تكن سوى ضحكات على وجهها وقلبها كان ساكنًا يسوده الحزن، دائما ما تساءلت عن سبب ذلك الحزن اللا مبرر له، ولم تجد إجابة، أو قد وجدت ولم تشأ أن تؤمن بها، ففي أحد المرات كانت تستمتع لأحد الأشخاص يحكي قصته مع هذا المرض المريع، وقد تشابه أعراضه مع أعراضها، ووصفه مع وصفها، حينها قررت بأن تحجز جلسة استشارية دون علمٍ من أحد، كان صعبًا فلم تفعل أيًا من ذلك قبل فعائلتها تعلم بكل تلك المواعيد المسجلة.

وقد فضلت عدم اخبارهم لعلمها برفضهم لذلك، ذهبت والتوتر ظاهرٌ على أطرافها فقد كانت تهتز كما تهتز أوتار العود، بدأت الجلسة ليؤكد ذلك الاستشاري ظنونها ولتعلم بأنها حقًا تعاني منه، عادت إلى البيت لا تعلم هل تصبح سعيدة أم حزينة، فهي تكاد تطير فرحًا لعلمها بأن كل ذلك بسببه، وأنها تستطيع العلاج منه، وحزينة لأنها حقًا تعاني من أحد هذه الأمراض التي لم تكن تؤثر جسديًا فقط وإنما نفسيًا واجتماعيًا وحتى عقليًا.


-السابعة صباحًا بتوقيت مدينة الرياض


تفتح عينيها ببطء شديد لترى تلك الورقة مفروشة بجانبها لتأخذ القلم مسرعة وتكتب: أعلم بأن الطبيب أخبرني بأن النتيجة تظهر غالبا بعد الجرعة العاشرة، ولكني أشعر بها! لقد حلمت بالأمس حلمًا! لم تكن تزورني الأحلام منذ عدة أعوام، ولم يأتِ لي ذلك الأرق المزعج، حتى أني أشعر بعقلي صافٍ كصفاوة السماء الزرقاء، وأشعر بقلبي كريشة حمام تحملها الرياح معها، أشعر وأني لأول مرة بعد سبع سنوات أتنفس الحياة.


شهد عبدالعزيز




٢٠ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل