شعار مداد.png

حين بزغ الفجر

في سجنِ نفسي سُجنت..

بين ذكريات الماضي وخوف المستقبل..

بين ألم كلمة وتوجس أخرى حبستْ..


نوافذ روحي أغلقتْ، مصابيح الأمل أحرقتْ، وعتمة أفكاري ازدادتْ سواداً.

ناجيتْ، دعوتْ، تأملتْ خيراً، ويوماً بعد يوم زاد انتظاري.


ساعة تسحب الأخرى، يوم يتبعه يوم، وشهر يلتصق بأخيه وأنا على ذاتِ الحال.

انتظرت بزوغ فجري لكنه طال.


في يوم، صدفة إلهية ربما، أو معجزة الأنبياء اقتربتْ مني وجعلتني أقتبس القليل منها، والقليل منها ما هو إلا الكثير.

لمع بريق هاتفي، رمقته بنظرة خيبة، لا لشيء ولكن عيناي لا تستطيع الرؤية إلا بتلك النظرة.


أمسكته، وأخيراً.. وأخيراً بزغ فجري، بزغ فجر لا يعقبه إلا فجر آخر.


دخلتُ لعالم، عالم سمائه رحمة، أرضه عطاء، ينابيعه أمل.


ولجتُ لذاك العالم، كان أوله مروجاً من أزهار بشتى الألوان، رتبت بإبداع، ثانيه دروبٌ، لكل دربْ شكله الخاص، جغرافية خاصة به، ألوان وأشجار وثمار وزهور تميزه.


دُهشت من جمال المكان، رفعتُ رأسي رأيت طيوراً تحلق، نجوماً تتلألأ في وضح النهار،ألتفتُ يميناً وجدتُ نهراً قرمزي اللون وعلى الجانب الآخر من النهر رأيت أناس لم أر مثلهم، أناس يضعون يدهم في الماء فتخرج لألئ، وبعضهم يلمسون التراب فينقلب إلى غبار من ألوان الطيف، أما ما شدني فعلاً وعندما سرتُ بضعة أمتار رأيتُ امرأة؛ تقفُ بخيلاء فوق جسرٍ بديع يغطيه الزهر من جميع جوانبه، وفي بداية الجسر، رأيتُ كهلة وعجزة يقفون مثقلي الهموم، يأتون لتلك الفاتنة، تهمسُ في أذنهم وابتسامتها تشرق المكان.


ومن ثم تناولهم ريشة ملونة بألوان تتوهج لم أرها سابقاً، وما إن يتركها أحدهم وينتقل للطرف الآخر من الجسر، حتى يتحول لشاب، ممشوق القوام قوي العضلات، ووجه يشع نوراً. أما ريشته فأراها تهتز وتنتقل من مكان لآخر، ترسم هنا وهناك وهو يراها وكأنه يحركها.


فتنت بهذا الجمال، ووجدتُ قلبي يقودني لتلك الساحرة، وقفت في الطابور، ونظرت ليدي رأيتهها وقد تحولت إلى يد عجوز في السبعين من عمرها، تحولت عند دخولي لهذا العالم ولكن من شدة جمال المكان، لم ألحظ ذلك إلا الآن، ولكن لا بأس فسأرجع أفضل مما كنت عليه، هكذا حدثت نفسي مطمئنة.


حان دوري واقتربتُ منها، عيناها سوداوين ولهما جمالٌ خاص، ابتسامتها تُزيح الهم من قلبٍ مثقل، أما حديثها الذي همسته في أذني فجرَ داخلي ينابيع لا تنضبْ، سرتُ للطرف الآخر وبيدي حملتُ الريشة، في كل خطوة أخطيها كنتُ أشعر بأن قيود يدي تتكسر، السجن الذي سجنتُ فيه أراه يتلاشى.


مع كل خطوة كنتُ أشعر برئَتي تتنفس من جديد، عيناي تبصر من جديد، ما كنتُ أمشي كنتُ أطير، أحلقْ هكذا شعرتْ، وصلتُ للطرف الآخر ورأيتُ شكلي يتبدل، رجعتْ كما أسلفت قبل سنين، قوية، جميلة، عيناي تبصر الأمل في كل ما تراه، أفكاري تنبض بالحياة من جديد.


أما الريشة التي أعطتني إياها، أدخلتني لدرب جديد، درب ربما يكون نهاية لهذا العالم ولكني أجزم بأن هذا العالم ليس لديه نهاية وإن وجدت نهايته الفعلية فضمنياً هو موجود في قلب كل من دخله، موجود بين الدروب التي أتاحها، وبالنسبة لي؛ فقد فتح لي درباً لا تليه نهاية مهما طال الزمن.


وسق الأزهري



١٩ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل

نعيم