شعار مداد.png

حين نفقد الشغف!

"صديقي أعاني من مشكلة أغلبنا لا يعتبرها مشكلة وهو غارق فيها، أعاني من فقدان الشغف ومن غياب الهوية، لم أعد أعلم ماذا أحب كل الهوايات باتت مألوفة ومملة؛ ساعدني لأعيد البهجة لحياتي"


يا صديقي


لقد وصلتْ رسالتك وجنوبها تأبى بأن تنكمش على بعضها، أراها مهلهلة الأطراف؛ إنها تعكسُ شعور الشغف داخلك؛ شعورٌ واهنٌ كلحظةِ رجوع محاربٍ من حربٍ بَترت قدميه. يا من أعدتَ صوتي بصوتك، أنت قد أرجعتَ قليلا من حياة لهذه الروح القتيلة داخلي، فأرجو أن أعيد لك حياةً مملوءةً بحياةٍ تعيد لك كل الأيام الذي خارت فيها خطواتك، وتصفّدت أناتك؛ إذ أصبحتَ بالكتمان رهينُ... أرجو أن تعيد رسالتي الطويلة أدناه ما وصفتُ أعلاه.

....

صديقي، يا من عُنيتُ بالرد عليه، وعانيتُ معه بعضًا من حزن الفقدان المُهلِك.


إن تجربة الفقد تجربة ذات متاهات شديدة الانحناء، حادة الزوايا من فرط التفافها؛ إنها تجربة في العين سوادها، وفي النفس أشواكها تُزرعُ، هي كذلك تهدد الأمان وتزعزع استقرارَ النفس، وتنزع من القلب كل رغبة؛ فكيف لو أن جذورها خرجت من أصلِ الذات، وكيف لو كانت الكلاليبُ في الروح؟! فقدان الشغف شيء مُختصٌ بالنفس والروح؛ لذلك لم أذُهلْ لما رأيتُ أنك ذكرت غياب الهُوية...


أتدري؟


قد لا تعرف ما تهوى ولا أنا التي تعرف، ولكن أعرف هبةَ الله فيك؛ قد أعطاك، ربي وربك، حسن الكتابة إذ برسالتك فيها بيان وإفصاح وتراكيب جيدة.


أما الهُوية فأني أراها مرتبطةً ارتباطا وثيقا بالتفكير، والتفكيرُ يكون مع اللغة دوما، فكلما زادت خرائطُ اللغة زادت المساحة التي يتحرّك بها الفكر. ومن هذا الحال العلمي أناشدك أن تحفظ لغتك الأم، قد قال أحد أعيان القرن الماضي: إن أرسلت رسالة ستصل، ولكن إن كانت بلغتك الأم ستصل إلى القلب مباشرةً. انتهى.


وما وصل إلى القلب أولا كان أدعى لتصديقه، لذلك يكثر الجدل الفلسفي لأن أفكاره تثير المنطق (العقل) ثم ما قُبِل يدخل القلب والباقي ينبذ. أما ما وصل مباشرةً إلى القلب يقبل كله دون الرجوع إلى العقل وهذا شأن اللغة الأم؛ فهي مرآة يُهشّمُ جزء منها كلما أُسقِطت كلمة عنها.

....


لعلَّ ربطي الماضيَّ بالحاضر يشعل كوامن الصبابة والحنين لتصلَ نفسك نحو ماضٍ حكيم؛ ماضي الأمّة الشرقية التي تتمسّك بلغتها حتى في تدوين رسائلها إلى الملوك والسلاطين العجم؛ تلك الأنفة التي تضاءلت مع الزمن اللامبالاة، وجدانٌ فارغٌ من مشاعرٍ تجوس ديار الفكر.


لكن وثاق الماضي للشعوب وثاقًا مكينا؛ فلن أعجب -بل إني أتفاءل- بمستقبلٍ يعيدُ الشخصية الشرقية شخصية ذات غور بعيد ينطق بالشرقية الجذّابة، وإن قلّد الحاضر الغربَ في مظاهره الذي يُصنع من قبل الإنسان لن تمحى صورة البشرة السمراء، والعينين النجلاء السوداء الفاتنة، والشَعر الأدهم.


والأخلاقُ كذلك كانت من أصل العربي الشرقي ليست مكتسبة، فلا شأن لعلامة أعجمي إذ قال فينا، ولا شأن لفهّامة ليس منا إذا قال علينا، فكتابنا ينطق عنا.


وبعدُ:

لعلي ذكّرتك بالماضي ليناسب ذلك غايتك، فإني شخص لا يأتي عليّه أحدٌ بغاية وأستطيع وضع عتباتٍ ليرتقي بها إليها إلا وفعلت.


صديقي وفاضلي:

قد تهاويتُ ذات فقدٍ ورأيتُ أن الجدران والأضواء والنوافذ والأبواب كلها تتهاوى معي وظننتُ أني أسقط أبدا؛ ظننتُ أنه زمنٌ ذو منحدرٍ جارف لا نهاية له؛ حتى أوقف كل ذلك عينٌ عَجِبتْ من سكوني على مرافئ غشاها الضباب وأشعل الظلام بها نوره...


لن أكملَ القصة، فقد أنهيتُ إيصالك لغاية أرجو أن تأخذها بقوةٍ وتحفظها، أما أنا سأغيب في الماضي لأضمّد جراحا أشعرُ إني معها الطبيبُ الوحيد لها؛ لذلك أكمل قصتك...


عائشّة الريس




32 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل