شعار مداد.png

خزانة البكاء

كانت تحب دميتها للغاية، تأخذها لكل مكان، تلك الطفلة الصغيرة التي كان يتمحور عالمها كله حول ثلاثة أمور: والديها، دميتها، والحلوى، كان الفرح يتبعها أينما ذهبت، أو بالأصح كان يسكن على أكتافها، يرسم ابتسامة كبيرة على وجهها، ولوناً بهياً على خديها.

ذات يوم غضبت أمها منها لأول مرة فمنعتها من الحلوى، كانت هذه تجربتها الأولى في الفقد، تغيرت ملامح وجهها الضاحك، وذهبت إلى خزانتها، دخلتها وأغلقت على نفسها، وبكت بأعلى صوت، كانت ترجو أن تسمعها أمها، أن ترحمها وتعطيها ما تريد، إلا أن ذلك لم يحدث، بدأ يخفت صوتها شيئاً فشيئاً، مسحت دموعها، تغيرت مشاعرها، خرجت من الخزانة واعتذرت لأمها عما بدر منها، ضمتها الأم لحضنها، فعادت الضحكة إلى وجه الطفلة، وأمست الحلوى بين يديها.

مرت السنين وكبرت الطفلة، تعيش ما بين جدٍّ ولعب، لا يزال الفرح يرافقها، ولا يزال دلال والديها يحفها، لم يتغير الكثير، ربما أصبحت أكثر جمالاً، وبات حديثها أقرب للقلب، إلى أن أتى ذلك اليوم الذي آثَرَت فيه أن تبقى في المنزل عندما أراد والداها أن يذهبا لشراء بعض الحاجات، إلا أنهما لم يرجعا، حالَ بينهما وبين المنزل حادث سيارة، انتقلا إلى رحمة الرحيم، هذه المرة كان فقداً لا يوصف، عندما تلقَّت الفتاة الخبر دخلت مباشرة لغرفة تغيير المشاعر، إلى الخزانة، لم تتوقف دموعها، تبكي بصوتٍ مكتوم، لماذا ترفع صوتها وأمها لن تسمعها؟ لم تكن تتطلع إلى باب الخزانة، لمَ تفعل ذلك في حين أن والدها لن يأتي بالنور إليها؟ جفّت عينيها، وابتلّت ثيابها، ونامت داخل الخزانة وهي تبكي، هذه المرة كان الألم أكبر من أن تغيره هذه الغرفة الصغيرة، هذه المرة كان المفقود أعز عليها من نفسها، هذه المرة أدركت أن والديها هما من قاما بتغيير مشاعرها من الحزن إلى الفرح، ومن الفقد إلى الوجود، ومن الخوف إلى الأمان، لم تكن الخزانة من تفعل ذلك، هذه المرة أتاها الحزن والفقد والخوف كلهم بغتة، فمن سيكون معها لطيفاً بها يغمرها رأفةً وأماناً إلا الرحيم؟


سديم آل دحيم

25 عرض