شعار مداد.png

خُدعة الكاتب

كيفَ يمكنُ للكاتبِ أنْ يمحوَ أثرهُ من معنىً قصده في نصِّه؟ كيف يمكنُ للكاتبِ أنْ يحميَ حقيقتَه من الإدراك؟ لا تسألْ لماذا، نحن نسألُ كيف؟


كاتبةٌ مخادعة، دجّالة، مدلسة للمعاني والمقاصد، تخدعُ الجميعَ بكلماتِها المموهةِ وجملِها الشائكة، تخفي ما عنَتْهُ في مالم تَعْنِه لتتحولَ الحقيقةُ إلى احتمالٍ وتضيعَ بينْ احتمالاتِ المعاني التي يموجُ بها نصُها، لئلا يدركَ الحقيقةَ أحدٌ، وإنْ أدركَها لم يجدْ سوى "قد" أو "ربما" ليصرِّحَ بإدراكِ فكرة، هكذا يتملصُ الكاتبُ مما عناه، من مقاصدِه التي يريدُ إخفاءَها عن قُرّاءِه ويحتفظُ بها لنفسه، القرّاءُ الراغبونَ بالمعرفةِ والاكتشافِ والبحثِ عن المعنى، أو "التمادي" للبحثِ عن مقاصدِ الكاتب، يطاردون الكلماتِ بحثاً عنها، يُدهشون! لا يجدونَها أبدا، لن يجدوا أبداً، فالكاتبُ مخادعٌ ويهوى الألاعيب، يَصُفُ المعاني صفاً ويخفيْهَا، الحقيقةُ بينهم.


المعاني كُثرٌ والحقيقةُ واحدةٌ وقد تلاشتْ في الاحتمالات، هذهِ هي خدعةُ الكاتب، خُدعةٌ محكمة، طريقتُه في حمايةِ ذاتِه من الاتضاح. الكاتبُ إنسانٌ، كما القراء، يكتبُ ذاتُه وهم يقرؤون، ليجدوا أنفسَهم، لم الوضوحُ إذاً؟ إجبارُهم على معنىً واحدٍ موصولٍ بحبلٍ يتدلى من قَدَمِه؟ بينما باستطاعةِ كاتبٍ جيدٍ أن يصنعَ عالماً من المعاني يحمي بهِ ذاتَهُ ويخلقُ للقراءِ مجالاً ليجدوا أنفسَهم فيه، أمازالتْ هذه خدعةٌ إذاً؟ أمرٌ يُنفِّرُ القرّاء؟ قد يكونُ كذلك، لكنها مجردُ آراء، احتمالاتٌ لا ترتقي للحقيقةِ أبداً، هذهِ الحقيقة، تتعذرُ دائماً لدى كاتبٍ مخادع. الحقائقُ تافهة، لن ترتقيَ أبداً لجميعِ التوقعات. يحبُ الكثيرُ -كما الكاتبِ- أن يجدوا الأمورَ غامضةً لتتيحَ لهمْ فرصةَ التفكيرِ ومن ثم إقحامَ ذواتِهِم وإدراكَها، خدعةُ الكاتبِ تحفَظُه وتُهدِي الوجودَ للجميع، تذكروا دائمًا، جِدوا أنفسَكُم ولا تبحثُوا عنّي.


بقلم: سديم الراجحي


للاستماع:-

أيفون أندرويد



١٧ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل

نعيم