شعار مداد.png

دفناه سوية!

وأخيرًا أستيقظ من وعيٍ طلبتُ غيابه لوقتٍ، كي أُعيدَ حياتي ...


" فتحتُ عينيّ على صوتَ نغماتٍ ترددت في أُذني، ونهضتُّ من فراشي أكررها مستمتعةً، أبحثُ عن مصدرها وصانعَ تلك التحفة، فأفتحُ بابَ غرفتي وأجدُ فتاةً قد أجادت الغناءَ بصوتٍ عذبٌ رقيق، انساب لمسامعي، وتسرّبَ سحره إلى قلبي، فاندفعتُ إلى الوسطِ أتراقصُ على سلّمِها الموسيقى.


تحركتُ بخفّةٍ هنا وهناك، قفزتُ من بقعة لأخرى، وأنا أتلذذ بكلماتٍ أمسكتْ بخصريَ، لتوجهَ راقصتها، فابتسمتُ لها وأكملتُ التمايلُ بين ذراعيها، سعيدةً بصباحٍ غريبٍ، قدّمَ لي هديّةً جميلة، ربما لتواسي حزني ليلة البارحة؛ لكنّها كانتْ سكينًا، أعادت النزيفَ لجرحٍ أغلقته منذُ يوم، وها هو يعودُ بيدِ فتاةَ الغِناءِ، لأقفَ ممسكةً بخنجرٍ أسالَ دمَ خاصرتي، أنظرُ في عيناها، أتفحصَ وجهًا باردًا رمقني بانتقامه ثمّ رحل، وتركني وراءه نازفةً، ضائعةً بينَ إبقاءِ أداةَ قتلي كي أبطئ موتي، أم أسحبها لأنهي حياتي!


لم أكُنْ في وعيي تقريبًا، فقد حاولتُ إنهاءَ رجفةَ يدي، لكنّهما كانتا عذابي، فالسكينُ تهتزُّ بداخلي، ويتضاعفُ بسببها ألمي، لم يكن هناكَ حل سوى العدِّ للرقمِ ثلاثة، ثمّ سحبَها بقوّةٍ من جسدي، لأفتحَ شلّال خاتمتي.


ملأ الدمُ أسفلي، وانسابَ لكلِّ مكانٍ من حولي، ولا تزال العملية، مُتعجبةً من كمية ما أحمله في جسدٍ نحيلٍ كهذا، شعرتُ برؤيتي تتهاوى، وجسدي لن يقوى على الجلوس بعد الآن، فعلمتُ أنها حانت، وعليّ الاستعداد، لذا ارتحتُ بهِ على الأرض، وسلّمتُ وعيي من جديد، برضاي.


لكنها لم تكن نهاية قصتي ...

ظننتم وقد كان ظنّي كذلك ...


فقد استيقظتُ بعد نومٍ عميقٍ لم أعي عددَ ساعاته، فتحتُ عيناي على غرفتي السابقة، وقد سمعتُ ذاتَ الأنغام تتردد، فكررها لساني هذه المرة، رغم اعتراض قلبي، لكنّ العقل بقي متحديًا، وسار بجسدي إلى المسار، تبِعَ الأنغامَ كما السابق. أصبت بالذعر، وقد خرجت أنفاسي عن السيطرة، فلا أريد الشعورَ بالوجع مرتين، يكفيني واحدة، يكفيني.

لكنّ شيئًا ما في جوفي يتحكم، وقد كان له رأيٌ آخر.


وقفتُ عند الباب أنظر للفتاة ذاتها تغنّي، صوتها جذب جسدي كي يتراقص بخوفي، فبعد دقائق سأذوقُ ألمًا، ارتشفته من قبل، وليتني أُوقفُ مسرحيةَ الموتِ والحياة، لكيْ أنهي المعاناة.

ها هو تجسيد الكلمات يقترب، فأرجوه ألا يُمسكَ خصري، لكنّه فعل، لأصرخَ بباطني، واللسانُ على موقفه، يأبى الانصياع لأوامري.


"لا أريدُ الإعادة، يكفيني المرة الأولى، يكفيني ما فعلتهِ بي، أرجوكِ، لا أريد الشعور بالألمِ من جديد!!!."


توقفتْ أمامي هذه المرة، ثمّ حضنتني بدفء أمٍّ، قد حنَّتْ لطفلها، وعادت لتشمّ رائحته بعد فراقٍ دامَ دقائق، لم أبادلها مشاعرها، لكنّ عناقها كان أقوى من كبريائي، فانهارتْ مشاعري، وتحطمتْ سدودَ دمعي، لأبكي بحرقةٍ على فراقٍ دامَ يومًا، ولم أستطعْ سوى مسامحتها.


فتلكَ نفسي في النهاية، وهذهِ حياتنا، لذا عليَّ تقبُّل ما اقتَرفناهُ ليلة البارحة، وإخفاءَ أدواتِ الجريمة، كانَ جزءًا مهمًّا، كي نُكملَ حياتنا السرية.


فليستْ هذه، سوى أول جريمة، تتجرأُ بي على فعلها.

بعيدًا عن أنظارِ الواقع. "


وأخيرًا استيقظت...


ميمونة قاسم



15 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل