شعار مداد.png

دوران المرآة


بدأ الأمر في يوم مشمسٍ خلال رحلة الكشافة للمدرسة، تسلل ذاك البطل خارجًا من المخيم مُسرعًا وبقلب الشجاع اتجه نحو المنطقة المحظورة، ليثبت أنه يستطيع فعلها أمام أصدقائه، يثبت القوة التي يملكها ولن يتردد في الذهاب والعودة سالمًا من المنطقة، هو واثق من عودته!

وقف قرب السياج يلتقط أنفاسه ويأخذ نظرة سطحية للمنطقة، وبعد تردد ردعه ثوانٍ عصر قبضته بحزم وتسلق الحاجز ليهبط بأمان خلفه، مُطلقًا زفير الراحة من تخط الحاجز بسلام، بالطيع سيتخطاه مادام المتسلق (أركان) الفتى الأقوى بين زملائه، اعتدل بوقفته مكملًا طريقه، فلن يكتفي بمجرد القفز من فوق السياج والعودة براية نصر صغيرة، بل سيتعدى على القوانين ويغور أكثر في الغابة المحظورة، متمسكًا بكلمة نطقها أمامهم "أن سيجلب الدليل على دخوله" وهي زهرة لا تنمو سوى بتلك المنطقة، إذًا عليه التقدم للحصول عليها، ولن يتراجع مهما كلف الأمر، أجل هو حرك لسانه مُخرجها كتشجيعٍ لذاته وتثبيط لخوفه : لن أتراجع، سأثبت لأولئك الجبناء أني تعمقت في الغابة ...

زلة قدمٍ قاطعت خطابه المبجل لذاته، لينزلق من دائرة قطرها بحجم حصان، ساقطًا على أرضية صلبة تضاريسها بسيطة، كان محظوظًا بمجرد ألم بسيط أسفل ظهره، متحسسه بشتائم انطلقت من فمه على الطبيعة، والصخرة العظيمة التي تجوفت من الداخل وكأنها منزل طبيعي يصلح لسكنى البشر به، دار ببصره على الجدران المقوسة ذات التباين السطحي، وبذهولٍ لم يستطع سوى التعبير عنه وإن كان لنفسه

" لو كان بمقدوري لاتخذته القاعدة السرية لي ".

ثم تذكر أنه لا يزال داخلها محبوسًا ولا أحد يساعده، فلا يعلم بتواجده هنا سوى المتحدين، ولن يخبروا المعلم ما دامت الشمس في منتصف السماء، والوقت في بدايته، إذًا ما العمل! نظر للأعلى، للمكان الذي سقط منه، متأملًا المشكلة التي وقع بها، وأبعادها المحتم على نهاياتها الموت في حال لم تظهر معجزة لإنقاذه .

سمع أصوات أشياء تزحف، مركزًا على المصدر وقد كان المخرج الوحيد، حيث بدأت النباتات بمد سيقانها حتى تشابكت مغلقة فتحة أمله وبصيص مُعجزته، صرخ برعب دب في قلبه دافعًا بجسده للوقوف على قدميه رغم شللها، لن يكون وقوفه الحل، لكنه أعطى الصدمة حقها، فها قد تحولت مشكلته لكارثة، وانقطع السبيل الوحيد للحرية، إذًا انتهى أمره هنا! .

شتم حظه والصخرة، فلن يضع اللوم على نفسه كونه الشجاع الذي تطوع للقدوم لإثبات قوته وسيطرته أمامهم، لكن هو الآن في ورطة، والخروج هو حلم سيصاحبه في منامه الأبدي، إلا أنها أنارت بضوئها في شكل باب في جدار الصخر أمامه، فرفع ذراعيه حاميًا عيناه ثم أنزلهما ببطء، ليرى مرايا دوارة كما الأبواب في المباني التجارية الضخمة وبعض الفنادق، تدفع الباب أمامك وتدور معه حتى تصل إلى مدخل المبنى، تسمر أمامها دقيقة كاملة مسلوب الوعي من غرابة ما رآه، فما تلك وكيف ظهرت من العدم! هل هي المعجزة التي أرادها بشدة؟ ولكن كيف ستساعد!؟ .

أتته الإجابة بسؤال نطقت به المرآة في الواجهة " أتريد التجربة ؟".

فزع للخلف بخطوات، وبضربات قلبٍ أبرمت صفقة مع إحدى الطبول، فالمفاجآت هنا تبدو كثيرة وسيكون عليه النبض كثيرًا ليعبر عن رعب مالكه، أجابها بريق ابتلعه خوفًا مما ستقدمه له عند إجابته بنعم! وماذا سيكون ردها إن ما قام بالإجابة بلا! بحكم وضعه وقلة حيلته فبالتأكيد ستكون الإجابة " أجل " .

" ستخرج عندما تنهي دورة كاملة داخل المرايا الدوارة، لذا أكرر سؤالي، هل أنت جاهز للتجربة ؟" .

تردد لسانه عن النطق بما هو محتم عليه الإجابة به، لكن خرجت الأحرف بسلام " أجل " .

" إذًا، اقترب وأنظر لنفسك في المرآة، ثم ادفعها لتبدأ دورتك، رحلة ميمونة" .

نفّذ ما أملته عليه ليدفع الباب متحركًا به إلى أن توقف به وأبى الاستمرار، عالقًا ما بين مرآتين الأولى من أمامه تلتقي حافتها بحافة من استقرت خلفه داخل وعائهما الاسطواني، تراجع واقفًا وسطهما ينظر ما بينهما والقلق ألقى بتعويذته على قلبه، فمتى سيبدأ التجربة التي تحدثت عنها؟ وما هو نوعها؟ ماهي إلا لحظات حتى تغيرت البيئة حوله وأصبح متصدرًا أصدقائه كقائدٍ ينظر لعبده المنكسر أمامه بضعفه المعتاد، مُنكشمًا الأخير بجسده يلاصق بظهره جدار المدرسة الخلفي، يحمي المناطق الأضعف من ضربات تتساقط بين الحين والآخر، بكلماتٍ قاسية تصاحبها، لكن ما عساه فاعل سوى البقاء ساكنًا متحاشيًا الرد على متنمر الفصل .

ابتسم (أركان) بعريضة شقت وجهه، ناطقًا بمرح رفرف بقلبه عاليًا، فها هي ضحيته المعتادة قد ظهرت أمامه من العدم، ولن يضيع فرصة ذهبية للتلذذ بجبان مثله " أنظروا من لدينا هنا، متى تعلمت وضعية الدجاجة هذه!" .

تعالت الضحكات بصخب والأصوات تشيد بقوة ما رماه على مسمعي الصغير، ليعود بجملة أخرى مُزحزحًا رأسه بقدمه كإهانة تواكب ما تفوه به " أخبرني، لما وُلدت؟ هل لتسجيل رقم مولود بلا فائدة !" .

ضحكاتهم زادت الإهانة أضعافًا، جعلت منه حشرة لا تساوي سوى باطن قدمٍ لتموت، وهو الآن يشعر بما تشعر به، يفهم احساسهم بمهانة من انسان يعتقد أنه الأقوى، بينما في مواقفَ سهوه وقلة تدبيره تهزمه بعضة، فما الذي يجعله أصغر من الحشرة، لما هو صامت على إهاناتهم مغلفًا فمه باللاصق ينتظر انتهاء التنمر بسلام، وكأنه واجبٌ عليه انهاءه والعودة إلى منزله، لما لا يُظهر عدم رضاه عما يفعلون به! لما لا يجرب نصيحة أخاه، فقد تفيد! إذًا هل سيقوم بفعلها؟ سيواجه وحش (أركان) بشجاعة مقابل رد الاعتبار بعد عدد لا يحصى من الذل تحت قدميه! إذًا هو فعل! أجل فقد بصق في على ثياب المتنمر وبجرأة قطعت أنفاسه وحشرجت الكلمات في حلقه، لكنه دفعها للخروج، مدافعًا عن حقه ولو لمرة

" أنتَ ضعيف يبحث عن قوته بالشتائم" .

لم يستوعب (أركان) الإهانة التي تعرضها للتو، وأمام تابعيه!! هل يتحداه؟ هو يمزح صحيح!؟ ثار بركان غضبه ولم تعد الرؤية واضحة أمامه، فلا شيء يوقفه لاسترجاع مركزه الذي اهتز عرشه بسبب بعوضة اختارت اللعب مع الشخص الخطأ، وستُجازى بروحها ...

لم يشعر بذاته سوى مسحوبًا من ذراعيه بعيدًا عن الغارق بدمائه، ليفتح عيناه مصعوقًا من مشهد سقوط زميله أرضًا غارقًا بدمائه، والمعلمين اضافة للطلبة هبو لمساعدته، جفل من يديه بعدما تفحصها مؤكدًا لذاته أنه من قام بالجرم، فقد صُبغت بسائل الحياة الخاص بضحيته، لم يستطع إكمال المشهد، فصرخ مناجيها

" أرجوك، أخرجيني!!" .

انتقل من مرآة لأخرى، وقد انقلبت البيئة إلى كراسٍ وطاولات اصطفت بطوابير منظمة، وهو كان يحتل الأخير عند النافذة، يجلس بصمت متأملًا الطلبة خارجًا وفي جوفه مئات الأفكار تُطرح، حول متى سيحصل الأمر؟ هل سيكون قاسيًا! أم مجرد خدعة تقوم بها المرآة لتردعه عن أفعاله!؟ إن كانت حقيقة، إلى متى ستبقى تلاصقه؟ ضم قبضته بقوة متحسرًا على فعلته، هو لا يعلم كيف اندفع وبدأ الضرب بوحشية حتى أدمى الفتى في تلك السنة، أدخل والديه معه إلى السجن وبعد ترجٍ من أمه لوالدة الفتى قبلت إسقاط حقها، وعاد إلى مدرسته بعد أيام مُطأطأ الرأس منطويًا عن خلانه، مختارًا الزاوية ملاذه بعيدًا عمن يتمتمون باسمه "أن (أركان) هو السفاح النائم، وسيستيقظ يومًا ليبدأ مسيرته الإجرامية من جديد" مع إطلاق الأحكام وإضافة البهارات الزائدة على مجريات القصة وماضيه المعجون بالطريقة التي يراها مؤلفي كتبه، فبالرغم من انتقاله للإعدادية فما زالت السمعة تلاصقه كظله، بسبب أن اعداديته لا تبعد غير خطوات عن ابتدائيته، فكيف ستزول مادام التجديد مستمر!!.

وها هو قد وصل سن الأربعة عشر عامًا، ولا زال اجتنابه واجبٌ على كل منتقلٍ بعد تسميم عقله بما هو صحيح وما لا صحة له، لكن الطالب المنتقل هذه المرة بدا من المتنمرين منذ قدومه إلى صفهم، وقد اكتفى (أركان) بمراقبة تنمره الرخيص متبسمًا على ماضٍ قد أعاد عرضه ذاك المسيطر، ولم يتوقع أن يكون هذا الفتى هو المُعيد للموقف الدامي من وقتٍ لم يُرد تذكره سوى قصرًا بسبب قانونٍ تورط به مع مرآة .

الفصل الثاني

اقترب الرئيس الحالي للمتنمرين منه، وبأنفٍ لامس السماء سأله " هل أنتَ السفاح النائم الذي يهابه الجميع هنا؟" .

نظر إليه (أركان) باستغراب، فما الذي يتفوه به بحق!! هل يعنيه باللقب الذي نطق به !؟ لذا تكلم بصيغة القوي التي إعتادها بعمر العشر سنوات، فالمسيطر على الجسد الآن هو ذاته من ذاك العُمر بحكم انتقاله من زمنٍ لآخر بأمرٍ من المرآة " ما الذي تتحدث عنه؟ هل أصابك العمى لدرجة عدم التمييز بين النائم والمستيقظ !" .

تحركت ملامحه مُظهرة الانزعاج الذي بدأ بالحوم حوله، فقد سمع أنه منعزلٌ تمامًا عن البقية، حتى قالوا عنه انطوائي، فكيف يتحدث بتلك الطريقة الآن!! رد عليه بأقوى من جُملته، وبنزول القائد عن تنينه للاقتراب أكثر من خصمه، تاركًا إنشات تفصل وجهيهما عن بعضها " هل أيقظتك من قيلولتك! ألا ترى أنها طالت أيها السفاح النائم، أم أنك تريد الاستمرار بها خوفًا من عودة كابوس الذل لعائلتك في مركز الشرطة ؟" .

لم يستطع صاحب العشر سنوات تحمله، وقد اتفق معه ذا الأربعة عشر ربيعًا، فهذه إهانة يجب الرد عليها ولو كان الثمن العبث بآلام الآخرين وجعلها الرصاصة المنقذة، دون النظر إلى أبعاد خطتهم الباقية، فقد تكون رصاصة الموت ...

نهض من مقعده بغضب، وثوان سكوتٍ رتب بها كلماته، هي ما فصلته عن مصيره المحتوم، لينطق أخيرًا بما أوجع المتنمر، وطحن الضحية " أنت، ألم تلحظ أن والدتك قد تركتك في وقتٍ مبكر!! فضلت القبر على تربية فتى مثلك" .

لم يرى بعدها سوى اللون الأحمر قد اختلط بإضاءة صفه، غير قادر على تحديد مواقع ألمه بدقة، فجميع جسده بدأ بالصراخ معترضًا على لكمات لا حصر لها وضربات أقدامٍ لم تكتب الرحمة في صفحاتها، لينتهي به الأمر مناجيها للمرة الثانية " أرجوكِ، أخرجيني !!!" .

قذفته نحو الموقع الثالث من المرايا، لتسأله قبل أن تنقله إلى المحطة التالية من حياته " هل فهمت طريقة عمل القانون؟" .

لم يستطع إجابتها من صدمته مما عاشه من جحيم داخل المرآة الثانية، لذا قامت بتفعيل المرآة الثالثة منها، مُبتلعة جسده، وخلال لحظات كان قد بدأ موقفًا جديدًا، وببيئة أخرى، غرفة بسريرين منفصلين، كلًا منهما التصق بالجدار المقابل للآخر، وقد كان جالسًا على إحداها مما يبدو له أنه الخاص به، ينظر بصمت لمن لملم أغراضه داخل حقيبته بجنون، وكأنه متضايق حد السماء من شخصٍ ما، وقد اتضح من هو ذاك الشخص، من خلال ما نطقه بعد إغلاقه الحقيبة وحملها مستعدًا للرحيل " أنت، عليك التغيير من سلوكك، فحتى والدتك فضلت القبر على التعامل معك" .

ما الذي تفوه به للتو! هل قال أنها فضلت القبر؟ هل هي ماتت!! نهض متقدمًا نحوه وبياقته أمسك، ليصرخ بهيستيريا أطبقت على أنفاسه " ماذا تعني بالقبر؟ أجبني ماذا حصل لأمي؟" .

ابتسم الشاب بعدم تصديق، فهل نسي الإذن الذي قدمه لمُدرسي الجامعة؟ ليذهب إلى قريته حيث عزاء والدته قبل أيام! أيمكن أن يكون قد فقد الذاكرة بسبب فقدانها؟ تساؤلاته منطقية لكن لن تصل إلى حقيقة أن فتى العشر سنوات هو من يتحدث الآن وليس شاب العشرين سنة ... أجاب باستغراب لحالته " هل جننت! لن أتوقع غير ذلك من شخصٍ طَفِش منه زملاء سكن كثيرون، وقد ندمت على مقامرة قمت بها مع شخص لتحمل العيش معك، فقد خسرت بسببك، بسبب الحالة النفسية الغريبة التي تمر بها، لكن لا بأس ما دمت سأحافظ على عقلي بمغادرتي، فسأتنازل عن الفوز لأجله، والآن أتركني" .

أبعد يده عن قميصه بقوة، ليكمل طريقه الذي قُطع بضربة جسم ثقيل على الرأس أسقطته جسدًا بلا حركة على الأرض، بدماءٍ كونت بركة ولازال صنبورها يُنتج بغزارة، مما جعل الصغير الشاب يتراجع راميًا عصا الجولف من يده، فهي إحدى المحاولات الفاشلة لوالده في إخراجه من عزلته ودفعه للمشاركة باللعبة المفضلة له، ارتعد من المشهد الدموي أمامه، ما جعله يتعثر بإحدى الأغراض ليسقط أرضًا، مستكملًا زحفه للخلف، والرؤية تنبؤ بمغادرة الوعي، وقد حصل بعد دُقيقات، ما دعا المرآة لنقله سريعًا نحو نهاية قصته مع معارضة القانون، فكانت إفاقة وشعورٍ بالذات لدقائق، مسترجعًا المشهد المخيف الذي عاشه للتو، لكن سرعان ما انتبه للمرج الأخضر أمامه والأضرحة المبنية هنا وهناك، مهلًا لحظة، أهذا عزاء! من الميت ولما الجميع مبتسم وكأنه حفل زفافٍ لا عزاء لميت؟ هل كان ثقيلًا عليهم ذاك الذي في القبر؟ يبدو أنه لم يحظى بأحباء ولا مجرد صداقات " يا للمسكين " .

نطق بها دون قصد منه، ساخرًا من الغبي الذي باعد بينه وبين العالم بل وصنعه وحشًا ينهش من لحمه بعد مماته، جعل وداعه صفاءً وذكره غمامًا، قلب عزاءه فرحًا بخلق غربانٍ شامتة به، ولا حتى عصفورًا واحدًا يحزن لفراقه، لكن يبدو أنه هناك من بقي متمسكًا بالخيط الرابط بينه وبين المدفون تحت التراب، إلا انه يقف بخزيٍ بعيدًا عن قبره، مكتفيًا بالبكاء الصامت أسفل الشجرة، فمن يكون الوفيّ!

اقترب منه (أركان) ومع تقدمه كانت عيناه تتسع بصدمة، فالرجل العجوز محنيّ الظهر، هو والده! إذا الميت هو ... انطلق نحو والده بعقلٍ يتمسك بعدم التصديق لكن التصديق بمنطق ما خطر له يسحبه لناحيته، إلى أن خفف من جريه حتى توقف أمام والده وقد نطق باشتعالٍ في جسده وتجمد أطرافه، ارتجافه ازداد مع خروج الأحرف " أبي!" .

لم يُجب، فعاود المناداة " أبي!!" .

لا إجابة، فقط نحيب صامت، لذا أعاد كمحاولة أخيرة " أبي، لست أنا الميت، صحيح!؟" .

بقي ساكنًا، ما يعني أنه الشبح للمدفون تحت التراب، هذا يعني أنه المكروه، يعني الفرح لموته وتخلص العالم من شره، يعني أنها نهايته، صرخ بوالده ببصيص أمل يخالف ما بدأت حراشفه تتكشف لتظهر الحقيقة المخفية " أخبرني أبي، أنه ليس أنا، قل شيئًا ".

نطق الأب أخيرًا بما أكد الاعتقاد " عزيزتي، ها قد لحق بكِ (أركان)، أرجو أن تعتني به جيدًا، فقد فشلت في شرح قانون الدوران ..." .

مهلا، هل قال لتوه قانون الدوران؟ عن ماذا يتحدث؟ قانون الدوران! ما هذا القانون؟ ولما نطق به فجأة!!

"هلا شرحتي لي أيتها المرآة!" .

خرج من شبحيته، ليعود إلى وقته الحقيقي، هناك حيث يقف في آخر محطة، أنهى المرايا في الباب الدوار، وبقيت مرآة واحدة أمامه ليدفعها ويخرج، لكنها سألته قبلًا " ماذا تعلمت؟" .

بقي ساكتًا يبحث بين مراحل حياته عن الإجابة، إلى أن وصل إلى كلمة والده، ليربطها بما حصل داخل المرآة، مجيبًا بعد حين بوجه المذنب " فهمت، كان ذلك لتأديبي، قانون الدوران وضعته لتريني كيف يعود لي ما أفعله في لحظة ما" .

عدلت من قوله " لست من وضعه، تلك هي العدالة، استمتع بإصلاح مرآتك في الخارج، وداعًا " .

تحرك دافعًا بابها ليشع نورًا قويًا يُجبره على رفع ذراعه حاميًا عينيه، وعند إبعاده لها رأى المعلم يصرخ من الأعلى وبيده مصباحه " هل أنت بخيرٍ (أركان)؟" .

لم تكن تلك السيقان ممتدة بعد كل شيء، فيبدو أنها خداع بصري من بوابة المرآة الدوارة، إذًا هو بخيرٍ الآن، فقد تم إنقاذه من مأزقه وعوقب على كسر قوانين الكشافة والذهاب للمنطقة المحظورة، مع ما تعرض له جراء تهوره، هو أقدم على خطوته الأولى في تصحيح دوران مرآته، التحدث مع المرشد الطلابي ومن ثم تحديد موعد للوقوف أمام الصف بأكمله والاعتذار من زميله الذي لطالما تحمل تنمره المستمر عليه، وها هو يقف وبثقة تحدث " أعتذر عن أفعالي بك سابقًا، أرجو أن تقبلني صديقًا، ولنطوي الصفحة " .

ابتسم الفتى بعد تسمرٍ للحظات، متفاجئًا ممن كان خارج قائمة الفتية المقدمين على الاصلاح، ليمد يده مصافحًا (أركان)، مجيبًا اعتذاره " بالطبع، سامحتك " .

إذًا، بدأ أركان رحلة دوران مرآته بشكل جيد، وتفادى أول ما رآه داخل الباب الدوار، فماذا عن مرآة الدوران خاصتكم !؟.


ميمونة قاسم

7 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل