شعار مداد.png

ذكريات، كانت في كل شيء ..

ذكريات، كانت في كل شيء ..

طريق، منزل، غرفة، حديقة، مدينة، شاطئ، شُرفة، زاوية.

مر أحدهم من هنا كان يُفكر كثيراً، أحدهم وقف أمام النافذة يراقب القمر، وآخر يجلس فوق تلة يراقب شروق الشمس.

في طريق الذهاب لأعمالهم.. الناس يحملون في دواخلهم ذكريات، لا تُنسى وأخرى يريدون نسيانها، وغيرها لا يريدونها أن تُغادر أذهانهم.

ممرات المدارس شهدت مشاهد الذكريات لكل من وجِدوا فيها، الطلاب في أول الأيام يدخلون صفوفهم يتمنون النهاية لكل هذا الهراء (كما يقولون) و في آخر أيامهم ينظرون لكل زاوياها (أنتِ لم تكوني هراءً قطْ، الوداع).

البيوت التي شهدت موت العزيزين، وغادرها أصحابها بعد كمٍ غزيرٍ من البكاء على فقدهم، كانت كلها ذات يوم تضم الأعزاء، ضحكاتهم كانت تتعالى فيها، كانوا يتبادلون أطراف الحديث عن كل شيء، ندمَ بعضهم على أيامٍ لم يقضها مع أحبابه، وآخر مات مبكراً بلا ندم.

في هذه البقعة من الأرض قد عاش في يومٍ ما أناسٌ اختلفت قصصهم، فرحوا كثيراً وحزنوا كثيراً، كتبوا في ممرات أيامهم كل الذكريات:

أنا جندي عشتُ بعيداً عن أهلي، لقد خفتُ أن أرحل عنهم بلا عودة ثم رحلت.

أنا طفل أحببتُ لعبة وبنيتُ فيها ذكرياتي، حين كبرت رأيت لُعبتي تحادثني في صمت عن كل شيء، يا صديقي أتذكُر؟.

أنا فتاة حلمتُ أن أرتدي فستان سندريلا ثم ارتديته بعد سنين، كل خيطٍ فيه رأيت فيه أمنياتي وأنا، كم كنتِ جميلة يا أنا.

أنا المطر، لقد شهدتُ قصصكم جميعاً، عندما كبِرتُم أصبحتم تهربون مني، لم يفهمني منكم إلا من بكى تحتي، لا تحملوا في قلوبكم كل تلك السنون من الحزن، ابكوا ولتتذكروا طفولتكم تحتي، كنتم تلعبون بمرح، لا يهمكم اتساخ الثياب ولا ما يحمله لكم الغد، عودوا لحقيقتكم يا كبـ(أطفال)ـار.

أنا القلب، كنت أتألم لكل مرة أحفظ فيَّ جزءًا من ذكرياتكم، كنتُم ترهقونني كثيراً، لكنِ كنتُ مثلكم سعيداً جداً، كنتُ أتمنى لو أني ولدتِ كبشر، أن أصنع مثلكم ذكريات يحملها قلبٌ غيري، لكنِ أنا الذي حملتُها لكم، لا تتمنوا زوالها أرجوكم.

أنا العقل، هل تذكُرون تلك الأيام؟ هل حقاً تريدون نسيانها؟ لا تنسوها واتركوني أراقب في ملفاتي كل شيء، لقد كبرتُم جيداً لتصنعوا كل هذا الكم من الذكريات، لقد كبرتُم جيداً حقاً.


أنا الذكرى، في كل حياةٍ وجدت على هذه الأرض منذ البداية وحتى يختفي كل أثر، في قلوب الجميع، كُنت حاضرة، في قلب الطفل والكبير، الفتيات والفتيان، السيدات والسادة، في الظلام والنور، في الصيف والربيع والخريف والشتاء، في كل شيء.

ابقوا قدرَ الإمكان في أحضان والديكم، أخوانكم، أصدقائكم؛ لأني سأداهمكم دائماً.

خُلقتُ فقط لأعيد لكم ما ينتمي لكم فقط، لا تنسوا من تكونون، ولا تنسوا من كان معكم.

خالص عزائي لمن فتح باب الماضي بإرادته وبكى اشتياقاً.


نورة السالم


13 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل