شعار مداد.png

رحلةُ الحياة.. هل نَعبُرها دُونَ رِفَاق؟

أوهامُ القوةِ التي تجتاحُنا تحتَ وقعِ الكبرياءِ، والكرامةِ، والشعورِ بالاكتفاءِ.. تحتاجُ لإعادةِ النظرِ في بعضِ المواقفِ والمنعطفاتِ التي تكشفُ للمرءِ.. أنهُ "قليلٌ بنفسِه، كثيرٌ بإخوانِه". أُراهنُ أن كلَّ أحدٍ منّا قد مرَّ بتجارِبَ أعادت تعريفَه للفرقِ بين الاكتفاء واستجداءِ الشفقةِ؛ فهنالك منطقةٌ لاعترافِ الذاتِ المتزنةِ.. بحاجتِها لمن يساندُها في صعوباتِها من عقولٍ بصيرةٍ، ترى ما لا نرى تحتَ تأثيرِ الظروفِ العصيبةِ.


وأظنُ أن أكثرَ لحظاتِ الإنسانِ قوّةً، لحظةُ اعترافِه بعجزِه وضعفِه في بعضِ المواقفِ.. التي تعصِفُ به فيها أعاصيرُ الحياةِ، فيتكبدُ خسائرَ جسيمةٍ من يعاندُها بعودٍ لا ينحني؛ ظنًّا منه أنها هزيمة، لا من يَسُوسُها بالانحناءِ والتسليمِ لحظاتٍ.. ليسلمَ عُمرًا كاملًا من تَبِعَاتِها.


لا شكَ أن تعريفَنَا للقوةِ هو ما يدفعُنا للتعصبِ، نحو ما يكشفُ بشرِيَّتَنا ويعرّي اكتفاءَها من مشاعرَ أو مواقف، لكن ما تُفضِيه إلينا التجارِبُ من صنائعِ معروفٍ لا ننساها.. يُعيدُ رسمَ موازينِ القُوى البشريةِ بحكمة.. فلسنا الأقوياءَ دائمًا، ولا الضعفاءَ أبدًا.. نحن مزيجٌ من القوةِ والضعفِ، من الإرادةِ والعجزِ، من الشيءِ ونقيضِه. ومرورُنا بمنحنَى شعورِي أو مصيرِي لا يعني أننا فقدنا السَّيطَرة، وأن كلَّ شيءٍ قد انتهى أو فسد، بل إنّ القوةَ كلُّها في التسليمِ الذي يُعلمنا إياهُ مُنخفَضُ المشاعرِ والمواقف.. التسليمُ بأنه حاصلٌ، وبأنه لا يدوم، ومنحِهِ فرصَتَه للعبورِ كنهرٍ جارٍ بانسيابية.. ما دامت مخالفة التيار المندفعِ.. حيلةً تُطيل أمدَ الأزمة، وتُعَقِّدُ مجرياتها.


هكذا نخطئُ أحيانًا.. بظنِّنَا أنَّنَا نستطيعُ قطعَ دروبِ الحياةِ العسيرةِ بتعرجاتِها "وحدَنا"، متكئين على أنفسِنا التي يعتريِها ما يعترِي كلَّ إنسانٍ من الحاجةِ لمن يساندُه في أزماتِ الرحلة.


ولعل أكثرَ دروسِ الحياةِ أهميةً درسٌ علَّمَنا أن نتواضع، ونعترفَ بلحظاتِ عجزِنَا البشرِي، وأن نطلبَ من الآخرينَ المشورةَ، ليعينونا على ما لن نتجاوزَه من طوارئِ الدربِ بمفردنا. مِن هنا كانت الرفقةُ.. تعادلُ الوِجهةَ في القيمة.. فالطريقُ -وإن كانت جليلةً- عَسُرت على الوحيد، وتمادت به تصاريفُ الدروب، وهوَتْ به في قاعٍ سحيقٍ من اليأسِ وفقدانِ الحيلة.


موسى -عليه السلام- طلبَ الرفيقَ قبل أن يخوضَ الطريق. وهديُ القرآنِ يدعونا لمصاحبةِ المتعلقين بالله لا بزهرةِ الحياةِ الزائلةِ؛ لمّا كان الرفيقُ مُثبِّتًا على المبادئ. ويذكّرنا القرآن بفضيلة انتقاء الصحبةِ الطيبةِ.. فهنالك مَن خَلَّدَ ذِكرَهُم.. "صُحبتهم".. لا جليلُ عملِهم! فنفوسُ الرفاقِ السَّامِيةِ.. تسمو بكل من يشاطِرُهم الدرب.


الأرضُ التي لا يقطعُها الإنسان منفردًا، وتستعصِي عليه فجاجُها؛ تَطلُبُ صاحبًا، وكَذا الحياةُ.. فجاجٌ يبتهجُ فيها الرفاق، ويأسى فيها ويشقى كلُّ وحيد. يعبُرها الجميع.. لكن هنالك من يصلُ بجُلّهِ، وهنالك من يصلُ وقد تساقطَ أكثرُه.. فأرضُ العابرين فرادى مُجدِبة؛ وتُنبِت الرفقةُ المؤنِسةُ على حوافِ الدربِ وردًا وريحانًا.


دلال آل الشيخ مبارك



للاستماع 🎧

أبل بودكاست جوجل بودكاست

١٦ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل