شعار مداد.png

رسالة هروب

كانَ يحاولُ أن يبدأَ بكتابةِ نصٍ غيرِ اعتيادي، لكنهُ يقعُ في شبحِ الاعتياديةِ المقيتِ، يبحثُ عن فكرةٍ تستحقُ المحاولةَ لكنَّ كلَّ ما يجولُ في مخيلتِه باهتٌ مكررٌ لا يحملُ أي معنًى، يرغبُ باختيارِ كلماتٍ مناسبةٍ يُلقِي فيهَا جُلَّ تعبِه ويختفِي خلفَها.


هذه محاولتُه الأخيرةُ، وإن حدثَ وفشل فسيضرمُ النيرانَ في أوراقِه وينثرُ رمادَها مع الرياح، ويراقبُ تلاشيها بعينينِ شاردتينِ تُخفِي وراءَها حكايةَ ضياعٍ مؤلمةٍ وقلبٍ وحيد.


لو كانَ الأمرُ بيدِه لاختارَ أن يبيعَ كلَّ حقائبِ الذكرياتِ الثقيلةِ، أن يبدأَ خفيفاً ويركضَ على سورِ الحياة، أن يزرعَ طرقاتِها بالضحكاتِ، ويسرقَ الدهشةَ من جيوبِ الأيامِ، فقد مرَّتْ عليه أيامٌ تفوقُ احتمالَ اللغةِ لم يَنْبَس فيها ببنتِ شفه، أيامٌ اتسعتْ فيها رقعةُ السكوتِ، ونَصَبَ الصمتُ خيامَه فيها، حتى صارَ أسيراً للعزلة.


لا أحدَ يدركُ كيفَ أنَّه يحاولُ جاهدًا صنعَ معنَى جميلٍ لكلِ يومٍ مهمَا كان بائساً، يُشذِّبُ العبوسَ، ويُجربُ ضحكتَه مئاتَ المرات، يبتلعُ البكاءَ المتكررَ في حلقِه بكلِ نبل، ثم يرتبُ هندامَه ويتسلَّحُ بكلِّ ما يعرفُه من حِكَمِ الأملِ وأكاذيبِه ليمضِي يومَه، كيفَ لهُ أن يكونَ بهذا الثبات؟ صحيحُ أنهُ لم يحظَ بانتصاراتٍ مدهشةٍ، لكنه يُدهشُ بهزائمَ خرجَ منها حياً.


يأتي عليه الصباحُ ثقيلاً، يُجمع نفسَه المبعثرةَ قطعةً بعدَ الأخرى، ما إن ينهضَ من فراشِه، يواصلُ الجمعَ حتى يكتملَ، كلَّ صباحٍ يصنعُ لنفسِه معنًى جديدا يجعلُه يستمر، كلَّ صباحٍ هوَ محاولةٌ جديدةٌ لإيجادِ الإنسانِ الذي يريدُ تكوينَه.


أرادَ تجاوزَ مرحلةٍ مؤلمةٍ في حياتِه، ولكنَّ الأمرَ بدا لهُ وكأنَّه لن ينتهيَ أبداً.


اليوم، وبعدَ عناءٍ طويلٍ وصراعٍ دامَ لسنواتٍ، خرجَ فيها مهزوماً من كلِ الصراعاتِ، كَتَبَ في رسالتِه الأخيرةِ " كُلُنَا هاربون يا صديقي، من المللِ ومن الأماكنِ ومن الأشخاصِ، كلٌ منَّا لديهِ سببٌ للهروبِ مختلفٌ عن الآخرِ، ولكنْ كلنا مجتمعونَ على الهروبِ من شيءٍ ما"


أسماء الزهراني



٢٥ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل