شعار مداد.png

رضّة المفتاح

ما زلت أقرع قلبي ندمًا على تلك اللحظة التي غيرتُ فيها مسار حياة كاملة لطفل ندي، وصغير على أن يختبر مشاعر كثّة، كتلك التي تراودني، أنا التي جنَت من العمر ما يكفيها..


تذكرت كم تمنيت حين كنت صغيرة أن أمتلك مفتاحًا لغرفة سحرية تخصني، كتلك التي تمتلكها أمي، فأبدل من مشاعري ما أشاء لأخرج بشعور مختلف؛ يجعلني أبدو كبيرة كفاية لأختار ما تريده نفسي..


كبرت وغدا لي مفتاحًا، وأصبح لدي زوجًا يشاركني ذات الغرفة حيث تكدّست بمشاعر لها خيط يواتيني مرة وأجاريه مرتين، كما منحني الله طفلا أعطيته مع قلبي حجرة ذات باب مشرّع لعواطف واضحة كنت قد أدركتها يومًا.

فحُجر الأطفال في عالمنا دائما ما تكون مفتّحة لهم، حتى يكبرون بمشاعر ضخمة وسخية فيصبح بمقدور أحدهم أن يمتلك من مخلوقات نورانية مفتاحًا خاصًا به لغرفة تستر قلبه بما حمل..


لطالما حاولت منذ عجمت مشاعري أن أختار منها ما يجعلني أبدو على ثقة بما أنا عليه، لكنني ولسبب لا أعرفه كان يضيع مفتاحي.. فيشق عليّ أن أجده على الأثر، لن تكون مشكلة لو أنني كنت سعيدة آنذاك، إنما أكثر ما كان يعيقني حينها أن أرتدي غضبا كدرع يعصمني من جَلد الحياة والعمل كل صباح، ولا أستطيع معه النفاذ إلى الغرفة؛ لإزاحته قبل عودة طفلي من مدرسته دون اضطراره شبه الدائم لخوض حرب مع غضبي الذي لا ينفك عني إلا بمفتاح!


الله وحده يعلم مقدار ما أتلفتُ في قلبه حتى رجم حبي بظنه؛ فبعد كل مرة وأربعون من الأسف والتبرير، أجدني أنسى وأعاود الكرّة بحال مختلف؛ وهذا ما جعل الأمر يبدو كحبل شائك ومتين يلتف ساخرًا حولي وأكاد الاختناق منه..


شعرت أنه قد تمكن مني، حينما أدركت صوت صغيري قادمًا وأنا في غمرة بحثي، ألقى بحقيبته على الأرض وارتفع إليّ يبتغي حُضن الظهيرة فلم أعاند، لكني ألقيت عليه أمرًا فظا برفع حقيبته، وزجرته للفوضى التي خلفها بالأمس، صاح يطلب شطيرة التفاح التي وعدته بها مكافأة لتفوقه، تلقّى رفضا جافًا حتى يأكل طعام الغداء، استلقى كسمكة ترتعش وأخيرًا صاح مصانعة فضربته حيث اختار غضبي أن يفعل..


بصرني بيأس ولم يحتدم غيظًا كالمعتاد إلى أنه فر هاربًا إلى حجرته،كنت واقفة أتشوى ندامة على ما اجترحته في حقه، حتى لاح حرف المفتاح خلف المنضدة، تذكرت أني وضعته كيلا يصل إليه، عجّلت خطوي وشرّعت الغرفة أنزع عني غضبي، استعضت عنه حبًا، وملأت بالحنو جيبي، تعطّرت أسفًا، وارتديت سوار بشاشة، وعقدًا رضيًّا والكثير من الدهشة التي يحب..


مكثت في انتظاره لوقت خيل إليّ أن عقارب الساعة شلت فما عاد لها نبض؛ جنحتُ شطر غرفته بكليّة ما أضمرت لأجله، إلا أني رأيت صفحة وجهه بالدمع قد غُمرت وفي يديه شيء يشبه المفتاح!


مها محمد



٢٠ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل