شعار مداد.png

زاوية في عالم الأمد

تقف مترددة في أول الممر، نبضها يتزايد، مهما تكررت زياراتها لهذا المكان لا زالت تهاب مواجهة ما يحتويه، تتقدم بخطوات تبدو كمن تبتعد بها أكثر من أن تتقدم، أخيراً وصلت إلى باب درج الطوارئ، دفعته بهدوء لئلا يشعر بذلك أحد -على الرغم من أن المكان خالٍ من الناس في ساعات الصباح الأولى- ألقت عليها نافذته الطويلة التي تتوسط السلالم بضوئها الذي ينير الفسحة البسيطة بين السلمين وتلقي ما تبقى منه على درجات السلالم، تترك الباب لتسمع انصفاقه كجزء من طقوس استحضار الأحزان، نزلت بخطوات مترددة شاخصة إلى الفسحة ما بين السلمين، وفي جدارها تلك النافذة الباعثة على الأسى، نظرت إلى ذلك المكان كأطلال حية، ينعصر قلبها لما بعد فكرة الأطلال من ذكرى، تهطل دمعاً، تتحاشى أن تطأ بقعة كانت في ما مضى مغطاة بكومة أوراق، تباعد بين خطواتها وتمشي على أطراف أصابعها خشية تشويه صورة الذاكرة، تقف في الزاوية، كما وقفت قبلاً، تتأمل من كان في السابق هنا، ناثراً أوراقه وأقلامه. جالساً على أرض رخامية غير آبه بصقيعها، تطلعت للخارج عبر النافذة، أصبح الجو أدفأ ولكن ما من قوة تستطيع تغيير ظنها بأن الشتاء لا زال على أشده وأن النافذة تشكو أشعة شمس غير ذات فائدة، أن درج الطوارئ هذا يعيش في الأبد وطافٍ على الزمان والمكان، الشتاء فصله الدائم، والأوراق منتثرة في فسحته وصاحبها يتقافز بينها محاولاً إدراك ما تحويه على نحوٍ أبدي، تعلم بأنه موجودٌ هنا دائماً، يحاول الفوز في تحدٍ خاسر، ولكنه لا يبرح مكانه، ترك روحه الظمآنة نحو الفوز في هذا المكان الأمدي وذهب بلا روح ليكمل حياته المزعومة، كانت تعلم بأن الخلا هو مصيرهما، بأنه منذ قالها مرة أدركت بأن ذلك ما أراده في النهاية. حزينة هي، وفارغٌ هو بعد الخلا، ان يفترقا، وأن يتخذ افتراقهما معانٍ متجددة في كل مرة تطفو فيها فكرة الخلا على سطح أفكارها، تخلى عن روحه في سبيل ملاحقة ما زعم الجميع بأنه الأهم، ولكنه تركها لها في ذلك المكان الأمدي لديها وقد كانت كل ما أرادته منه، تزورها بين فينة وأخرى لتراها كما تركتها ما تفتأ محاولة الفوز، وتحزن هي بذلك تماماً.


سديم الراجحي

11 عرض