شعار مداد.png

سجين الرسائل

الساعة الثانية عشرة صباحاً، في منتصف الليل، القمر هذه الليلة مكتمل، لا شك بأن هذا الوقت المناسب لقراءة نسرين رسائلي، كما التقيتها في تلك الليلة، وهي مواجهة لضفاف النهر، بشعرها الأسود المنسدل على كتفيها الذي يعكس توهج نور القمر من خلاله. ما إن استدارت حتى أُسرت بها، كأنني لم أبصر الجمال إلا في تلك اللحظة، فاتنٌ وجهُها، لكن في الهوى كانت شيئاً بعيداً عن عالمنا وكأنها أتت من السماء، يا لتلك الليلة الشاعرية، آمل أنها قد رأت رسالة الليلة كما اعتدت أن أرى نافذتها كل ليلة…

مهلاً ها قد أشعلت مصباح غرفتها، أتدرك حسناء القرية كلماتي عنها؟

صوت بكاء قادم من غرفتها، اقشعرّ بدني لترتعد خطواتي وهي تتقدم من خلف الأشجار، وبين يدي المصباح الذي قد أطفأته، ماذا أفعل؟ هل هذا صوت بكائها؟ لا أستطيع أن أقتحم المنزل، اعتدت مراقبته في منتصف الليل فقط.

وبينما لازلت مستغرقاً في التفكير أحسست بيد لامستني من الخلف، لألتف بكل خوف، من هذا الذي خلفي؟ لأرى سيدة في منتصف الأربعينات من عمرها قد بدأت علامات الكبر تكسي بعض معالم وجهها لم أستطع التعرف عليها بسرعة بسبب نور القمر الخافت حتى نطقت: آدم؟

نعم أعرف صاحب هذا الصوت، إنها والدتها قمر: السيدة قمر، ماهذه المصادفة العجيبة فقط كنت …

- لا تبدو مصادفة وأنت بالقرب من منزلي، لكن كيف أنت هنا الآن؟

- حسناً، سأصدقكِ القول، أنا في كل ليلة آتي لأرى نافذة نسرين، وأكون سعيداً جداً عندما أرى ضوء مصباح غرفتها، فهي بالتأكيد تقرأ رسائلي، وأعلم أن هذا تصرف غير لائق لكنني …

أجهشت السيدة قمر بالبكاء، هناك أمر غريب، لقد كان الصوت ذاته من غرفة نسرين، صوت البكاء! تسمرت مكاني أنظر إليها، أريدها فقط أن تخبرني ما بها: ما بكِ سيدة قمر هل بسبب ما قلته؟

لم تجب، سألتها مرة أخرى: هل نسرين على ما يرام؟

لا فائدة، فقد انهمكت بالبكاء وهرعت لداخل المنزل لأطمئن، لا أعلم لمَ هذا الشعور السيء بداخلي يأكلني حتى وصلت الى غرفتها …

طرقت الباب عدة مرات، لكن لا إجابة، فتحته ببطء فانصعقت، كانت الغرفة مغطاة بالكامل بالأغطية، بينما تقبع رسائل متكدسة على مكتب صغير ولا وجود لنسرين .!

ذهلت لما رأيت واتكأت على كرسي عند ذلك المكتب أرى رسائلي عليها …

بدأت دموعي تتساقط ببطء دون أن أشعر، جلّ ما أريد أن أعلمه هو ماذا حدث؟

أين هي؟ لمَ رسائلي لم تفتح بعد؟ رفعت عيناي أنظر إلى البدر من نافذتها حتى سمعت صوت سيدة قمر من خلفي: أعلم بأنك لم تتخطَ هذه الصدمة حتى الآن، لكنها لم تعد حيّة، ففي تلك الليلة التي توفت بها كنت أنت أول من أخبرنا بذلك.

أكملت وهي تبكي: فقد ماتت منتحرة أمام عينيكَ في النهر بعد أن تناولت الكثير من الحبوب … ومن تلك الحادثة وأنا أذهب لغرفتها ليلاً لأنني أجد روحها بها وأرى رسائلك فأحزن على ما أصابك منها..

أنا آسفة يا بني لكن ذلك ما حدث..

بعدما انتهت من حديثها تاهت عيناي في نور ذلك البدر، لم أستطع تقبّل ماحدث حتى أصبحت مهووساً بأن تصل رسائلي إليها بما أنها لم تصل بتلك الليلة التي كانت أول لقاء وآخره معاً، كل ما أردت قوله هو بأنني أحببتها، ومتيمٌ بها لكنها لم تصل … هل سأصبح سجين رسائلي للأبد؟


طرفة الصوينع

85 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل