شعار مداد.png

سحر الكتابة

محاولة لتوضيب شعث هذا العالم وجعله أكثر رقّة


ربما نصل في مرحلة من مراحل مجابهة العقبات والتحديات، إلى درجة الصِّفر، أو تعادل المشاعر إلى درجة استواء كل شيء، فتغيب البهجة عن أرواحنا في هذه الحياة زمنًا ليس باليسير، فنسكن فضاء لا تضبطه جاذبية، ولا تثبّت خطواتنا فيه كل محاولاتنا البائسة، نبحث عما يذكّرنا بأنفسنا آنذاك فلا نجد شيئًا يُذكر، سوى بضع حماقات ارتكبناها، فتزداد الدنيا سوادًا في أعيننا، نكتشف شيئًا فشيئًا أننا في غمرة سعينا إلى ما نحب، خسرنا الاستمتاع به، وابتعدنا كثيرًا عنه، وصرنا نسخة مشوهة لا تمتّ لنا بصلة، سوى بعض الملامح التي تميزنا عن غيرنا أو... التي تجعلنا نحتفظ بالقدر الأدنى من الوجود المستقل على مضض.


نتلفّت نبحث عن شيء ينتشلنا من هذا المأزق الوجوديّ، نفتش في صناديق الذاكرة عن ذكرياتنا الحلوة، أو الأيام التي كانت فيه لنا جولة رابحة، فلا نجد سوى لفيف من صور مشوشة ومتهافتة، ليس بوسعها أن تشعل فينا الدافعية، ولا أن توقد العزيمة. وهي ليست على قدر من الوضوح حتى لتخفف وخزات الألم، فتذكرنا من نكون، أو لترفعنا عن وحل الأسى، والملل، وضحالة التجارب، وجمود الأيام وتكرارها، فتحجزنا عن وطأة الشعور الموجع بغيابنا وتأجيل حضورنا رغم أننا لا زلنا في عداد الأحياء.


تندلع أسئلة ملتهبة حول ماهية البرزخ الذي نمرّ به، وإلامَ يستمر، وما سبيل الخلاص منه، فلا نجد إجابة تشفي ما أقضّ أجسادنا، سوى ما يعترض ذاكرتنا من طيف لبعض اللحظات الناعمة التي أفلتت من سطوة السياق الخشن، كلحظات هدوء عارم ترشفنا فيها كوب شاي، أو لمعة خاطرٍ بذكرى أحبة تسلّي القلب المتعب، أو كلمة حُلوة تغسل وجه الحياة من أدرانه فيغدو لوهلة نضرًا، أو ما تنعشه طرقات المطر الريّا حياةً على نافذة أحدنا وهو منهمك في يوم عمل طويل.. لا تلبث أن تزول سعادتها فترتطم مرة أخرى بالواقع الذي كنت تتوسّل لحظة ناعمة وهامشية جدًّا لتنتشلك من براثنه التي أحكمها عليك من كل ناحية حتى كدت تنسى كيف كنت ترسم الابتسامة دون جهد سابقًا على وجهك.


تتمنى أن يطيعك قلمك فتبوح بتلك الأعاصير التي يصطلي بها قلبك على صفحة قد يقرأها سواك فيأنس أن شاطرته دفقة من دفقات قلبه، وخاطرًا من خطرات فكره، ثم تعود لنفسك تحكي خذلانها لأقرب الأشياء لها، نعم تلك هي "الكتابة".


تتلمّس مخرجًا من تيهك، تضرب في فجاج العالم بحثًا عن طريق سالكة تقرّبك من شغفك، وتطوي عنك وحشة الوحدة في السَّيْر إلى قمة الجبل الوعرة، فلا تجد ثمةَ إلا زاوية في زقاق عتيق -مثل أكثر الأشياء قيمةً-، مزهوّ بأكاليل يتظافر فيها الورق الأخضر والورد الأبيض على شُرَفه وحيطانه، يحملك فضول عفوي لم تعهده إليه، ولم تكن قبل ذلك تقصد وجهة دون دراسة لمعالمها.


في تلك اللحظة التي تُهت فيها اهتديت إلى بقعة خفق قلبي لها، جلست على أقرب مقعد خشبيّ، وانتابتني أُلفة عارمة لها، وكأن روحي استأنست فيها محطّة تستريح إليها، اختبرتها بنظرات فاحصة لأستوضح كُنهها؛ فوجدتها «مدادًا» للروح، وزادًا للقلب، وموئلًا للفكر.


لم أعد أتبرّم من مشقة الطريق بعد أن بلغتُ الواحة الوارفة، فلقد وجدت في هذا المنفذ متنفسًا لا يُضاهى، حيث نلتقي برفقة «مداديّين» حتى الرمق الأخير، يشاطروننا الهَمّ والمحاولة، ويضفون على أيامنا بريق التجدد، ويشحذون منابع الإبداع في دواخلنا؛ فتزهر صفحاتنا البِيض شيحًا وخزامى. لطالما ذكرونا بالوجهة المشتركة، وسامرونا في أَرَق المسير الطويل، وألهمونا كيف نخطو إلى الحلم رويدًا رويدًا بثبات، فنخطّ بحبر المداد ما نتزود به البهجة، ونتبلّغ به آمالنا الكبرى.


هكذا كانت مداد ملاذًا حانيًّا للقلب، علّمنا -دون تخطيط- كيف نوضّب شعث هذا العالم الضخم، بأكثر الطرق رقةً، عبرَ كلمة خجولة نصوغها كل مرة ونشاركها رفاقنا رغم الحيرة والتردد. وأخبرنا -دون حديث- كيف نكبح جموح العجز بتربيتات حانية في لحظة مع ندماء الحرف نلمس فيها ببساطة آسرة كم هذّبت محاولة التعبير عن أفكارنا، فوضانا التي تعصف بحواسّنا، فغدت الرؤية واضحة بعد أن جلّلَها الضباب، وألهمنا مع مرور الوقت سبيل الترقي في مراتب التأمل فصرنا بمحاورتنا أصدقائنا أقرب ما نكون لحُلم سعينا إليه دهرًا بخطوات لا تُقيم أودًا ولا تقطع دربًا ولا تُذلّل غاية.


هكذا كانت «مداد» هي السبيلَ لترويض هذا الحُلم المتمرّد والخارج عن نطاق السيطرة، ليغدو كائنًا أكثر وداعة وأُلفة وطواعية، وشيئًا قابلًا للتشكُّل بين بيدين تتطلعّان للتمرّن على ما استعصى عليهما من ذاكرة اللغة بالمحاولة والتذليل، حتى يُصدّق الحرفُ إكرام الله للإنسان بتسخير الكون بما في له؛ فنجتاز أزمة الحدود الموهومة بين أفكارنا... وبين إمكانات التعبير عنها.


دلال المبارك



١٢ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل