شعار مداد.png

سيد الظلام

غرفة سكن في جدرانها الليل، هدوء يغلف الأرجاء؛ لولا اهتزاز مقعده الخشبي.


ارتدى سيدَ الظلامُ رِدائه، غطى وجهه وأصبح كحال غرفته، خرجَ من داره والسماء تغطيها غيوم تحمل الأمطار في جوفها.

صوتُ الذئاب القريبة من المنزل، نسمات الليل الباردة ومن بعدها..

سقطتْ أول قطرة مطر معلنة عن بداية مهامه،

قطرة وراء الأخرى، حتى أصبحَ الغيث أكثر غزارة.

جمع ما جمع من الماء المنهمر في قارورته وعاد قبل أن تبزغ شمسُ الصباح.


انتظر ليلة أخرى ليبدأ عمله، أخذَ قطرات الماء وبدأ بغليها بغاز خاصْ، تبخرتْ ذرات الماء وتبقى في قاع القارورة مسحوق كريه الرائحة، حنِّي اللون، جففه ووضعه بكيس خاص، وانتظر ليلة أخرى وصباح أخر، امتد انتظاره إلى أن تجود السماء بمطرها من جديد، لتعلن له عن فرصة أخرى، ويبدأ بحياكة حكاية جديدة.


_ ها أنا الآن، تحتَ أشعة الشمس الغبية، ولكنها لن تدُم طويلاً فالغيوم تكادٌ أن تغطي كل السماء وتمنحني حقاٌ من حقوقي، أنتظر الآن أن تنصفني تلك الغيوم، لم يطل انتظاري وبدأتْ السماء تجود بمائها، وأنا جلستُ تحتَ شجرة انتظارًا للفرصة المناسبة، أنتظر خروج أي غبي تحت المطر، أنتظر أن أرى ذاك الشعور الأحمق بعينيه، أنتظر أن أرى أملاً وتفاءلًا ساذجًا في هذه الحياة الرمادية، لا أعلم لما هم هكذا، عن أي أمل يتحدثون؟!

هم لا يجدون لقمة عيش يأكلونها، لقمتهم مغمسة بإهانة ومعاناة ومع ذلك عند سقوط المطر يتجردون من أحزانهم بسذاجة وينظرون للمطر كأنها تناجيهم، كأنها تخبرهم بأن الخير قادم، ولكن عُمت بصائرهم فالسماء تبكي على حالهم وتسقط دموعها وهم يسعدون بدموعها!!


رأيتُ من بعيد شاباً، رث الملابسْ، منكوش الشعر، يُمسك بيده مجموعة من أزهار اللافندر، عند سقوط المطر وضع زهوره تحت الشجرة ليحميها ووقف هو تحت المطر، لمعتْ عيناه وهو ينظر للسماء، فاردا ذراعيه ليتحسس قطرات المطر الباردة، يتلذذ ببرودة الماء ذاكَ الغبي، لا يعلم بأن تلذذه هذا سيدفع مقابله صحته وسيحتاج لدواء عند ارتفاع حرارته في هذا الجو البارد، لذى قررتْ أنه المناسب.


سأساعده ليرى الحياة كما هي، يبتعد عن المطر عند سقوطه وحتى إن لم يفهم بكاءها كان يجدر به أن يفهم بأن هذه الأمطار وإن لم يقف تحتها فهي ستؤذيه، بمياه تدخل لمنزله المتهاوي مثله، سيدفع ثمن سقوطها بأن جزءاً من نهاره سيكون هباءً منثوراً من دون الحصول على مال؛ لأن الكثير من الناس سيمكثون في بيوتهم أو ينتقلون بسياراتهم الفارهة حتى لا تتبلل ملابسهم الحريرية ولن ينزل في هذا الجو إلا من مثله.


اقتربتُ نحوه، فوقفتُ خلفه بخفة وأخذتُ جزءاً من مسحوقي ونفخته عليه، لم يحتج الأمر إلا أن أصل لتحتِ الشجرة وأرى تشبعه بالحقيقة المرة، أرى لمعان عينيه اختفى واحتل مكانهما ألم، وبأس، حيرة وخوف.


ضم يديه حول جسده، نظر لنفسه كأنه ينظر لها لأول مرة، لم أستطع أن أجزم أن كانت عيناه من فاضت بغيثها أم غيث السماء لعب دوره!


جرى مسرعاً نحوا أزهاره، خشى أن يضمها لصدره وتبتل.


توقف المطر غطى شعره الأشعث، وأخذ زهوره وسار وهو مطأطئ رأسه، مر بجانبي عرض عليّ أن أشتري بعض الزهور ولكن رفضتْ ليعلم هذا الساذج بأن الحياة تأخذ، تأخذ فقط ولا تعطي إلا التعب والمهانة.


وسق الأزهري




١٠ مشاهدات

أحدث منشورات

عرض الكل