شعار مداد.png

شبح في قصره

وضع رأسه على وسادته، أغمض عينيه مُسترخيًا، ثم غاص في نومٍ عميق، عميق جدًا، حيث شعر بالفراغ حوله وكأنه في جوف محيط مُظلم، ضغطٌ من حوله ومازال معلقًا بين القاع والسطح، تعجب الحال! فحاول جاهدًا تحريك أطرافه للفرار إلى النجاة، فأبت الاستجابة، وبقي في عقله يتساءل عن موقعه ولما شعورًا كهذا يجتاحه فجأة ؟!.

ثوانٍ مرت وقد بدأ يشعر بضيقٍ في أنفاسه، فجمد الرعب عقله دقيقة كي يستوعب بداية الأزمة والتي ستقوده إلى موته لا محالة، انتفض داخله معارضًا الفكرة، يناجي بهيستيريا تمردت على خلايا المنطق في دماغه، تدعو لتفسير ما يشعر به، والأعصاب ربما تملك الجواب، فكيف بحق لا يمكن للجسد أن يتحرك لينتشل ذاته من الجوف الى السطح!! بقي الصمت الرهيب هو الاجابة، وصدى صريخه انحصر في جمجمته

" لا زلت على حافة الأربعين، لا زالت شركتي بحاجة لي، أموالي، ممتلكاتي ... وقصري!" .

استفاق بشهيقٍ عميق، مرتعدًا من فراشه وقد بلل جسده العرق، زفر ببطء ليعيد دقات قلبه للطبيعي قدر الإمكان، ثم وضع راحة كفه جهة نابضه كي يدعم عملية إرجاع الطمأنينة، سحب هواءً و أخرجه عدة مراتٍ ومن ثم نظر أمامه، ليجد الغرفة فارغة، تحسس فراشه فلم يجد السرير أسفله، تلفت حوله برعب باحثًا عن أثاث واكسسوارات غرفته، لكن الجدران كانت تقابله في جهاتها الأربع، فزع عن أرضيته باستقامة، وعقله قد توقف عن إفراز الأفكار واكتفى بسؤالٍ واحد، ما الذي يحدث هنا ؟.

انساب همس صبيٍ إلى أذنيه، يُخبره بالحل " أغمض عينيك ".

تردد صداه حتى تلاشى واختفى، لينفذ ما سمعه حرفيًا، متمنيًا أن يكون مجرد كابوس وسيفتح عينيه ليجد نفسه قد عادت ممتلكات غرفته، سحب هواءً إلى رئتيه قبل أن يفتحها، ثم أفرج عن بصره، وجد على مد النظر طاولة توزعت أشهى الأطباق في وسطها، واصطفت الصحون وملحقات الأكل كالحرس على حوافٍ امتلكت خلفها كرسي خشبي مخملي الصناعة، وأخيرًا استقر عرش السيد في مقدمة الطاولة، لتكتمل مائدة عائلة من طبقة ارستقراطية لها جذورٌ أصيلة وشجرتها لا زالت تتجدد .

كان يجلس على مقعد الرأس المقابل للعرش، فتعجب من أمره، لما يجلس في موقعٍ مهمٍ كهذا على المائدة! هل له علاقة بهم؟ أيضًا أين العائلة؟ الطعام هنا ولا أحد يشغل مقعده استعدادْ للطعام!! دقائق وبدأ أفراد العائلة بالتوافد كُلٌ قد أخذ موقعه على الطاولة، كبيرهم شابُ الجامعة قد انشغل بتأنيب أخيه الأصغر على تكاسله الدراسي كما تبين من خلال كلماته، وفتاة الثانوية قد حطمت شاشة هاتفها بسرعة أناملها الرهيبة في النقر، أما الصغرى فقد كانت تتصيد الفرصة لسحب قطعة لحمٍ من وسط المائدة، والأم نهتها عن البدء بالطعام قبل اكتمال العدد، والمفقود، كان الأب .

انتظروا جميعًا قدومه، لكنه لم يأتي، لذا خرج صوت الابن الأكبر بغيظ " أمي، دعينا نباشر بالطعام، أنتِ تعلمين أنه لن يأتي " .

أجابته بابتسامة مشرقة " بلى سيأتي، فقط دعنا ننتظره دقائق أخرى " .

تجهم وجهه ولم يعجبه تمثيلها، كاد يرمي كلامًا، لكنه صر على أسنانه، فيبدو أنه فضل ابتلاعها على جرح والدته بها، لذا ترك المائدة وعاد إلى غرفته .

مر على وجوه البقية، رأى الحزن قد أنزل سواده، وغربان الشؤم نعقت فوق رؤوسهم، فلماذا؟ هل سوء والدهم يصل إلى درجة اكتساح السم مائدتهم عند ذكره!! أسئلة منطقيًا ستناقش في داخله، ويتحرك الفضول بجسده لمعرفة سر غمامٍ غطى صفاء سمائهم فور ذِكر اسمه .

غادر المائدة هو الآخر لاحقًا بالبكر لأبويه، هم بالاقتحام لكنه توقف عند سماع أصوات الحطام قادمة من الداخل، ابتلع ريقه واستعد مستأذنًا

" سأدخل !" .

فتح الباب وأغلقه من خلفه دون أن يعطي الآخر ردة فعل توحي بتنبهه لدخول غريب، فاستغرب وتعجب لكنه تجاهل بإلصاق عذرٍ على فعلته، ووقف قُرب الشاب المرتخي برأسه على طاولته، بعد حربٍ أقامها في غرفته، أبطأه التردد عن المبادرة، لكنه حط بكفه على كتف الشاب مربتًا، وقد ألقى بمواساته لسببٍ لا يعرفه

" عُد إلى المائدة بني، فالحياة قصيرة، استغلها في إسعادهم لا تعكير صفو أجوائهم ".

بقي البائس في ذات الوضعية، دونما استجابة، هزه عدة مرات لكن لا رد، خفق قلبه خوفًا من فكرة موته، لذا بدأ بمناداته باسمه رغم أنه لا يعرف من هو، وكأن الاسم مُسجل على لسانه

"إياس، أجبني، إياس " .

تحركت موجات صوتٍ لفتاة إلى مسمعيه، تُخبره بحقيقته

" لا أحد يراك " .

صُدم من إجابتها، فتراجع خطواتٍ عدة، وأنامله دلكت صداعًا أصاب رأسه، فكيف لا أحد يراه؟ من هو إذن؟ شبح !!.

انتشله من اللاوعي نبرة اهتزت من بكاء صاحبها، فأنصت لإياس بدهشة ازدادت كلما تقدم بحديثه

" يأتي!!! هو لن يأتي، لا أريده أن يشاركنا الطعام، تركنا بين اللهب وهرب، لماذا ننتظر حقيرًا مثله ؟" .

تركهم!؟ ذاك الأب ترك أولاده ورحل؟ وبين اللهب!! كيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا قام بشنيعة كتلك؟!!.

أسئلة كثيرة ولا إجابة، لذا عاد إلى المائدة بعدما أتاه صوت امرأة تُخبره " عُد " .

توقف أمامهم، يستمعُ إلى لسانٍ سليطٍ تحرك بعد صمت وغرقٍ في ضوء شاشة الهاتف

" أنتِ دائمًا ما تأمرينا بانتظاره، وكأننا سنفعل!! سنأكل بدونه، إلياس، حور، باشرا بالأكل " .

انتفضت الأم من مكانها، لتضرب سطح الطاولة مهددة بصراخٍ ثقب طبلات الأذن " لا طعام لمن لن ينتظر، فليعد إلى غرفته من لم يعجبه النظام" .

رمقت ابنتها الأكبر بنظرات تأنيب، لتترك الأخرى مائدتهم عائدة إلى غرفتها، وشرار الكُره يتطاير من خلفها، هذا أضافه على أسئلته، لم الأم تدافع وبقية الأولاد يُظهرون بُغضهم له ؟.

تسرب صوتُ فتاة أصغر، يُخبره " انظر للصورة" .

تلفت باحثًا عن صورة أو شيء من هذا القبيل، فرأى واحدة كبيرة عُلقت على الحائط الجانبي للمائدة، قد جمعت العائلة بما فيهم الأب، وابتساماتهم ترسم مدى تعاستهم، استغرب وجوههم، فسأل الفراغ عل الصوت يعود ليرمي خبرًا آخر " هل هذا هو والدهم ؟".

عاد صوت الشاب، وقد أصبح مألوفًا أكثر، يخبره " زاوية الصورة ".

حرك بصره ناحيتها، فكانت قصاصة جريدة دُون عليها خبرٌ مؤسف لعائلة من النبلاء، ومالكة لأكبر شركة أثاث في المدينة، قد احترق قصرهم ومن فيه ... بقي رماده وتفحمت جثثه، ولم ينجو سوى سيده ...

فُتحت عيناه على أوسعهما، حرارة جسمه ارتفعت وأطرافه تجمدت، لم يستطع استيعاب ما حصل، إذن من هؤلاء؟ لما وجد نفسه في قصرهم فجأة؟ كيف هُم أحياء وقد ماتوا من سنتين مضت!! كيف يراهم؟.

أتاه فحيح امرأة أشبه بصوت سيدة المنزل، تهمس في يسراه، تُخبره

" أدر وجهك قليلًا " .

نفذ ما أخبرته به، فرأى نفسه في المرآة، صورة سيد المنزل تقابله في المرآة، ذاك الرجل الذي تركهم بين اللهب وهرب، من نجى وتركهم خلفه يحترقون .

انهار على رُكبتيه بقطراتِ دمعٍ تلاحقت ساقطة على أرضيته، نحيب ونواح وصياح على ما اكتشفه، نظر إلى ذاته واحساسه بالذنب يكاد يخنقه، شعر وكأنه طافٍ بين السطح والعمق، وقد بدأت أنفاسه تنفذ، وأعصابه تسمرت وأوقفت حركته، عقله وحده القادر على التعبير والرؤية، وقد عرض عليه شريط ذكرياتٍ قصير، جمعه وعائلته، لكن هذه المرة لم يطلب المساعدة، ولو لمجرد النطق في جوفه، فهو الأب الذي أضاع عائلته بين اللهب، وأضحى وحيدًا في قصره .

رفعه الخدم عن الأرض، أسندوه وأعادوه إلى غرفته كي يستريح، فقد تكررت حالة فقدان وعودة الذاكرة مرات عدة، وأضحت الشفقة تلاصق اسمه في صفحات الجرائد، وأهمها ما أتم قراءتها رئيس خدمه بعد تنهيدة عميقة، أسطر النهاية في قصاصة في زاوية الصورة

" ولم ينجو سوى سيده، الذي غادر قصره ولم يعُد إليه، سوى بعد الفقدان " .


ميمونة قاسم

10 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل