شعار مداد.png

صافحت النهاية أخيرا

آخر المسافات، هذه هي. وآخر الصفحات، هذه هي. وآخر نسخة مني، هذه هي. هذه أنا، رغداً، بأخف نسخة مني، وأجزم بأنها آخرها. بعد سير سنوات بذاك الطريق المسمى طريق البالغين. طريق غريب، لا بداية ولا نهاية للخريف فيه، كل الأوراق على الشجر باهتة، أما المتساقطة؛ فيركض لها البشر المساكين ليلونوها بألوان صناعية، يظنون بأن تلوينها سيضيف لهذا الطريق الباهت حياة، وأظنه اليوم مضحكاً. ما رأيته في ذاك الطريق، أوصلني لشكلي هذا اليوم؛ وحيدة. منظر الناس وهم يبحثون هلعين عن صاحب، يطمئنهم بأن هذا الطريق سينتهي بساحة نوّارة، وأن هذه الأوراق المتساقطة لونها حقيقي، أما الجدران؟ وضعت لتحجب عنا تمهيدات تلك الساحة وتحفظ لنا عنصر المفاجأة. هذا المنظر غدّار، بما يحويه من صورة الإنسان الحقيقة التي بذلنا أنفسنا منذ ولادتنا بإنكارها؛ وهي أن الانسان ضعيف، ضعيفٌ ضعيف. والأكثر غدراً، هو أن الصاحب سيذوب من الهلع أيضاً، وما قاله لصاحبه يود لو يقوله له أحداً، يود لو يصب عليه أحداً الطمأنينة فيهدأ ويقنع. هربت من ذاك الطريق، ونعم أقولها هربت، بلا أدنى خجلٍ أو ندم، بل أن هذا الفعل الأكثر شجاعةً في الوجود، وهذه قناعتي الوحيدة الآن. لمَ الندم على تلك الرطوبة الخانقة في ذاك الطريق، التي لم تيأس من تذكيري بأني شيء، شيء صغير نسمة هواء رطبة تبلله، وتلمسه وهي تعلم بأنه غير راغبٍ بها، وضاقت نفسه منها، ولكنها لم تيأس تذكره بأنه (مجبر) هنا لا مخيّر، وأن هذه النسمة الرطبة هي أكسجين حياته، بدونها لن يستطيع التنفس حتى. لمَ الحسافة على الصحبة الوهم؟ تلك الابتسامة الواسعة والأعين الصارخة. ذاك الجمع الملتم ليرتعشوا سوياً، ظناً بأن هذا سينسيهم حقيقة أنهم يرتعشون. أما الآن، هنا، في هذه الغرفة الصماء شديدة البرودة والجفاف، أقف هنا مبتسمة، منتصرة، بأني صافحت النهاية أخيراً. هذا البرد على جلدي عارياً، ولا خوف من الخوف نفسه، فلتملأني الحياة بكل ما استطاعت، فلا بأس لدي، ولا شيء يحييني، ولا رغبة فيّ ولا أمل بمقبل الأحداث. هنا، بدون أمل ولا يأس، بدون حياة ولا موت، بدون أحد. هذه آخر نسخة من الرغد، بعد سير طريق البالغين.


رغد النغيمشي


26 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل