شعار مداد.png

ضجيج صامت



في مثل هذا اليوم، وقبل عامٍ تحديداً عندما كنتُ في أمريكا أتلقى علاجي في آخر جلسة مع طبيبي كارلو في مدة استغرقت سنتين من عمري، حينها كنت في الثامنة عشر ربيعاً تلكم المسافة جمعت كل أشواقي، كنت أفكر بخيالٍ واسعٍ مطّرد .. متشوقةً لسماع ضجيج الحياة-فرحاً كان أم حزناً- لا يهمني، ما يهمني هو أن أسمع فحسب، أتخيل صوتُ أمي، أبي كيف سيبدو؟ أصوات أحبتي كيف ستكون؟؟

ما سمعت أصواتهم قط، ما سمعت صوت المطر أبداً، ولا تساقط ورق الشجر مطلقاً، كانت حياتي تتمحور حول مشاهدَ صامتة لا أفهم بعضها، أو ربما أجهل منها الكثير.

في ذلك اليوم المنتظر، خبأتُ أشواقي كلها، وعلّقت آمالي بالله وحده جميعها..

استيقظت باكراً، رتبتُ هندامي، وقرأت أذكاري، وذهبت مع أبي راجيةً من الله أن يبلغني تلك الفرحة، دخلت إلى العيادةِ وأنا صمّاء إلا من صوت الأمل الذي يلامس داخلي، متلهفةً لإنهاء آخر جلسةٍ علاجية، إيماءات كثيرة تلك هي لغتنا، بعدها أُدخلتُ لغرفة العمليات لإنهاء زراعة قوقعة جديدة، قوقعة لعلي أجدُ فيها الصورة مع الصوت مجتمعةً معاً، قوقعةٌ لعلها تخرجني من تقوقعي على الصورة دونما الصوت.

فتحت عينيّ، فلم أر الضجيج ككل مرةٍ وإنما سمعته، ضجيج عال لكنه غير مزعج لأنني استطعت رؤيته من خلال أذنيَّ، أصوات متداخلة ولغط واكتشفت أنني الآن أسمع ! نعم أنا أسمع !

لا أعرف كيف أصف أول كلمةٍ سمعتها؟ شعور لا يمكن التعبير عنه، ولا نقل المشاعر الناتجة منه، تسمعينني يا حبيبتي، أبي ينادي، نعم إنه نداء وليس إشارة أو حركة باليد، يا الله كم هو رائعٌ ذلك الشعور وكم هي عظيمة تلك النعمة، شكراً يا الله على كل نعمك علينا وتفضّلك..

أبي أبي: هل تسمح لي بالتأمل، أقصد الإنصات أو التأمّل بأذنيّ، في الحديقة الخارجية؟

يجيبني أبي : لكِ ذلك يا عزيزتي.

في الحديقة أنا، والمكان مبهر، ومخضّر، وما زاد المكان جمالاً هو صوتَ حفيف الأشجار، وزقزقةِ العصافير، كل الكائنات تمارس طبيعتها وأنا أمارس طبيعة الاستماع والإنصات، تأملت ملياً في سلوكها.. كمشهدٍ عابر لفت انتباهي تخبّط الخفاش، يا الله إنّه لا يرى، لكن قائده ودليله الصوت، إنه يستخدم بصره السمعي ليهتدي، تذكرتُ نفسي عندما كنتُ أرى لكن لا أستطيع السمع فيقودني بصري، وكأني والخفّاش في علاقة مشابهة ما بين السمع و البصر سابقا، حمدت الله على عودة نعمة السمع لي و أكملت جولتي مع والدي، دخلتُ كل الممرات والغرف، حتى الغرف الخالية دخلتها وأنا أسمع على الرغم من السكون الذي كان يعلوها !! فهل كنت أسمع الفراغ الذي يحيطها؟ أم تراني أستمع إلى الهدوء ذاته وهو قابعٌ فيها ؟؟ لا أدري، كنت أستمع إلى صوت صرير الباب وهو يغلق، وهو عندي أعذب من ألف معزوفة بصرية، في كل مرة كنت فرحةً أجرب صوتي ليعود مع الصدى:

- أبي أبي ..

رد علي والدي بجملة: يا ابنتي زِني الكلام الذي يخرج من ثغركِ فمهما طال الزمن فإنه حتما سيرجعُ إليك .

أكتب لأسمعكم صوت قلمي..

روان الرشود

29 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل