شعار مداد.png

طرف منسي

أهم بمغادرة المكان بهدوء كعادتی، دون أن يلحظ ذلك أحدهم، فالإصرار على البقاء لا يزيدني سوى لوعة وحرقة، أغلق الأبواب جيداً وأعيد كل شي لسابق عهده، كأنني لم أكن يوما، ثم أقف في الظلام متسائلة بخيبة تملأ قلبي الصغير وجسدي المنهك، لم أنا منسي؟ لما لست مرئي! لماذا لا أشعر بوجودي حتى وإن حضرت، لم نفسي تجحد كل ما فيّ وكأنني أتجرد وأنسلخ عنها کی لا تُبلَى بعبء وجودي.


أشعر وكأن الكون برمتة لا يسعه أن يحملني، فأنا من كل قصة، طرف منسي أو قد أكون مجرد محل احتياط لسد الخسائر المحتملة، أذهب لغسل يدي بذهن شارد فأجد كفي ينزف دماً وكأني أقشر كل ما فيّ مني، هذا ما يريده مني شخصي؛ أما الطفل القابع في زوايا قلبي يصرخ بشدة لأتوقف، ولكن صوت الماء يمنعني من سماعه، صوت صرخاتي علىّ يمنعني من سماعه أيضا، صوت والدي الذي ينهرني عن الكلام، و صوت والدتي وهي تخرسه يمنعني، صوت الأستاذة التي طردتني من الصف أمام جميع زملائي يمنعني من سماعه، صوت أصدقائي الساخر يمنعني من سماعه.


وبعدما أتجاهلهم جميعا لأذهب لأنام، تحاصرني كل تلك الأصوات لتصرخ في عقلي وتؤرق ليلي، أقسم لأبي ألا أتكلم كرة أخرى، أضحك مع أصدقائي کیلا أكون صديقا منفراً، أقف خارج الصف حتى تخدر قدماي، لتغفر لي المعلمة، ولكن، كيف لي أن أغفر لنفسي؟ كيف أعود لها وأبدأ بالحديث معها، كيف أصل لصوتها وأعدها ألا أصرخ في وجهها، لم يكن الأمر بالسهل على طفل اعتاد أن يكون منسياً في بيته، فلا يسأل عن یومه الأول في المدرسة، ولا يشكر على جهوده، ولا أذناً تسمع لتأتأته المرتجفة، حتى حين يهم بالبكاء؛ اعتاد أن "يبتلع" أدمعه بدلا من ذرفها كيلا يمر بالذي هو أسوأ.


ليان محمد





١١ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل