شعار مداد.png

طفل في الظلام

تحت أشعة الشمس الليلية، أستند على فضاء من اللون الأبيض، والظلام يخيم من حولي، في غرفة المكتب حيث لا أجد سوى أفكاري وهي تحادثني بلغة الصمت، رعشة خفيفة عصفت بالمياه السوداء في كوبي، بقهوتي السوداء التي أراها تشبهني كثيراً لكن لا أرى انعكاسي بها، صوت الرياح العاتية تتسابق مع عقارب الساعة نحو الوقت المتأخر بالليل، أعتقد أنني لازلت أحبّذ السهر إلى هذا الحد رغم وجودي وحيداً بالمنزل..


نهضتُ لأذهب إلى غرفة النوم، حتى أنساب صوت غريب صادر من الأسفل، تعجبت قليلاً لأنني متأكد بأن لا أحد بالمنزل سواي، قادتني قدماي بخطوات خفيفة نحو المطبخ محدثاً نفسي بأن من الممكن الخادمة التي تأتي جزئياً قد نست شيئاً ما بمنزلي، صحت بـ سارا، هل أنتِ هنا؟ حتى انطفئ النور واكتسى المنزل بالظلام، ذعرتْ فهذا الوقت غير المناسب البتّة لانطفائِه!


ضوء البرق أضاء لي قليلاً لاشك بأن العاصفة هي سبب ذلك، فتحت أدراج الرفوف بسرعة أبحث عن مصباحي اليدوي، لأستمع إلى صوت نفس متقطع قريب مني قشعرّ جسدي لأضيء المصباح بسرعة لأرى طَيف طفل أمامي..


تصبب جبيني قطرات من الهلع ، لأطفئ المصباح مرة أخرى وأضيئه، لم أصدق ما رأته عيناي، طفل في العاشرة من عمرهِ يختبئ وجهه خلف يديه وصوت الأنين والبكاء يصدرُّ منه، توجست خيفة كيف دخل إلى هنا والأبواب مقفلة بالكامل!


فجأة توقف عن البكاء وأزال يديه الاثنتين لينظرَ إلي بكل هدوء، تلك النظرات كانت كافية بأن تميت قلبي مع دوي صوت الرعد من خلفي، ليقطع صمته بـ أريد عائلتي، أريد أبي، أريد أمي، أرجوك أخرجني..


ترددت لأجيب : يمكنك الخروج أيها الصغير، فأنت من جئت إلى هنا.

أشار لي بيده نحوي ليقول: لا بل أنت من وضعني هنا، فوالداي ينتظراني بالخارج لكنك أبيتْ أن تخرجني.


علامات الحيرة اكتستني لأجيب: ياصغيري إنها المرة الأولى التي أشاهدك هنا، كيف تقول لي ذلك؟

-في كل مرةٍ تلتقي بي تقول لي ذلك، لكنك تعلم بالنهاية أنني كنتُ دوماً ألتقيك.

-تلتقيني؟ من أنت؟


قال بنبرة متذبذبة أشعرتني بأنني أعرفه فعلاً ليجيبب: أنا الطفل الذي يخشى الظلام والوحدة، ويفتقد والديه بشدة ويريد لقائهما، لا يوجد أحدٌ حولي لأحادثه سوى شخص واحد وهو أنت ، الذي لا أعلم لمَ لايزال يحتبسني، لكنك ستبقى دوماً تراني ما زلت تقبع في قوقعتك وحيداً وتلتقيني في هذا الوقت دوماً، أراك مجدداً.


حتى أضيء المكان من حولي ولا أجده، وقفت مذهولاً من نفسي، هل كانت تلك أوهام أم حقيقة، لأذهب إلى غرفتي وأتناول بعض أدويتي ولا يزال صدى حديثه يتردد في عقلي، حتى أرهقت نوعاً من التفكير، وتركت المصباح مضيئاً لأخلد إلى النوم..


في الصباح التالي، صدى صوت جهاز المجيب الآلي في غرفة المكتب:

صباح الخير سيد أنس أرجو زيارتنا اليوم كما هو متوقع في موعدنا الساعة الثالثة مساءً، دمت بخير، دكتور أحمد للعيادات النفسية.


توجهت إلى هناك ولا زال وقع الأمس يجول في ذهني لأسرده له ، ليقطع سردي:

نعلمُ بأن حادث السيارة الذي أدى إلى مقتل والديك في تلك الليلة لا يزال عالقا بذهنك، وشعور الندم والوحدة لا يفارقاك بسببها فلذا لا زلت ترى هذا الطفل دوماً في واقعك، لا زلت ترى نفسك عندما كنت صغيراً وشعورك المتذبذب في لحاقهما وعدم العيش بمفردك يطاردك، فلذا لا تسمح أبداً بخروج هذا الطفل..


طرفة عبدالرحمن



13 عرض