top of page
شعار مداد.png

ظلُّ الإمبراطور

قُبالة الأزهار ركع نائب الأميرال جيغفريد على ركبتيه ممررًا أناملهُ الغليظة بقدر ما امتلكه من رفقٍ على بتلاتها مزدانةِ الألوان، وإليه مرر نسيم الصباح شذا عطرها وأغراه بها، وألزمه البقاء بقربها وقتًا طال ولم يدركه، وتلك كانت واحدةً من مئات المراتِ التي عايش بها ذات الحالة، فلطالما وقف الأميرال مشدوهًا أمام الطبيعة وجمالها.


لقد كان الأميرال يقضي بعضًا من وقت فراغه في الاعتناء بأزهار حديقة القصر، يأتيها غالبًا مع انبلاج الصبح، ويغادرها قبل وصول البستاني الذي يكمل العمل بروحٍ خفيفةٍ مبتهجة!


في بادئ الأمر عمرت الدهشة قلب البستاني، حين قدم ذات صباحٍ إلى الحديقة ورأى التماعة قطرات الندى على صدر الأوراق، وما زاده دهشةً هو تكرر الأمر على نحو متفاوت في الأيام التالية، ثم إنه رغم جهله التام بهوية الشخص الذي مد إليه يد العون، إلا أنه شعر بمسرةٍ غامرةٍ ولعدة أسباب متداخلة، أحدها هو علمه بأن هنالك شخصًا ما يشاركه هذا الغرام…


بالعودة إلى الأميرال، فقد وقعت عيناه في هذه الأثناء على منظر الإمبراطور وهو يطل بهيئته العظيمة من الشرفة، فتطلع إليه متبسمًا ثم ترك الحديقة ودخل القصر وخطا خطواتهِ الرصينة متجاهلًا كل من حوله من الخدم، ليس تجبرًا ولكن ذلك كان حكمًا صدر بحقه مذ أن حلَّ نزيلًا بهذا المكان.


قام الأميرال بطرق باب غرفةِ الإمبراطور تهذبًا، رغم علمه المسبق بأنه لن يتلقى إذنًا بالدخول، لذا انتظر هنيهةً ثم عبر متجاهلًا الصمت الذي تلقاه ثم ألفى سيده على ذات الهيئة التي رآه بها عندما كان بالأسفل.


قال بصوته الجهوري:

- صباح الخير يا سيدي، آمل أنك لن تتخطى وجبة الإفطار


ولم يجبه الإمبراطور، بل لم يستدر ولم يرفَّ له جفن، كان كالأصم، وقد ظلَّ واقفًا يتأمل كأنما هو تمثال شمعيٌّ متقن الصنع!


- على كلٍ يجب عليك أن تزور الكونتيسة آناروز قبل غروب الشمس، ومن ثم لا تنسَ بأنه عليك حضور حفل تحرير الأسرى هذا المساء… وبأني سآتي معك


كان الأميرال معتادًا على هذا الوضع، لذا فإنه كان يأخذ يحكي ما في جعبته دون أن يتوقع أي ردٍّ على الإطلاق.


وتمعنًا بالأمر، لقد بدأ كل ذلك قبل خمسِ سنوات، أي خلال ذلك اليوم الذي وجد فيه الأميرال نفسه ملقىً أمام باب القصر، يتذكر جيدًا كيف أنه لبث في العراء ليلةً كاملة يتطلع نحو باب القصر بعقلٍ فارغ، جاهلًا تمامًا بما عليه أن يصنع، وأي طريقةٍ هي التي سوف تخلصه من هذا المأزق، ثم إنه بعد وقتٍ مديد نهض من مكانه وسار يجوب في الأنحاء، يبحث عن شيءٍ لا يدري ما هو، وقد تملكه شعورٌ عميق بالضياع والحيرة جراء عدم معرفته شيئًا عن نفسه ولا عن هذا المكان!


وحين طال عليه البحث وبدا له بأنه بات يدور في حلقةٍ مفرغة، جلس في قلب الحديقةِ مناجيًا عتمة الليل وتلك الأزهار النائمة، حتى إذا طلع الصباح وكشفت السماء عن وجهها الوضَّاء شعر بالحياةِ تدبُّ فجأة في أطراف القصر، وكان أول خيالٍ إنساني يتراءى له هو خيال البستاني، لقد فزع الأميرال ونهض من فوره تاركًا البقعة التي تهجد فيها وراء ظهره، ثم حين دنا من الرجل الآخر، وأحس بإعراضهِ عنه قطَّب حاجبيه مستاءً، غير أنه حاول التحدث بلباقة نظرًا لكونه غريبًا عن المكان، وعندما لم يجد إجابةً في المرة الأولى أعاد الحديث، وبعد أن تكرر الأمر لمرةً ثانيةً ولحقتها الثالثة صرخ بصوته الأجش غاضبًا من تصرف البستاني الوقح! ولكن حين تكرر الأمر على نحوٍ غير منطقي، انتابه شعورٌ بأن هنالك خطبًا ما، إما به وإما بهذا الرجل القابع أمامه، الذي ربما كان أصمًا وأبكمًا وكذلك أعمى!


ثم حين شُرِّعت بوابة القصر على مصراعيها، سمح الأميرال لنفسه بأن يدلف إلى الداخل بشيءٍ من التردد والريبة، كان الخدم يتنقلون في أنحاء القصر بحيويةِ سربٍ من النحل، ولم يلقِ أحدهم إليه بالًا، لقد تنامى شعور الأميرال بالوحدة أثناء وجوده في هذا الحيز، كما أنه أحس بالهم يعتلج في صدره اعتلاجًا، لا سيما بعد ظنه بأن أحدهم كان يحدق ناحيته، ولكن الحقيقة أظهرت له بأنه كان ينظر من خلالهِ إلى شكل اللوحة المعلقة على الحائط خلفه، وتلك الأخيرة كانت عبارةً عن صورةٍ مرسومةٍ لشخصٍ أشقر الشعر حادِّ التقاسيم … الشخص ذاته الذي أطلَّ على المكان بعد هنيهاتٍ بهيئةٍ جليلة، أجبرت الجميع على الانحناء خضوعًا وتبجيلًا له.


وشعور ما تسلل إلى نفس الأميرال في تلك اللحظة، كان شعورًا باهتًا لم يعرف ماهيته حتى وقتٍ لاحق، حينئذ تنامى وتعاظم حتى امتلأ به جوفه.


وعبر الإمبراطور متجاوزًا الجميع، وخيطٌ من أريجه قد تحلق فوق رؤوس الحاضرين، لقد لاحظ الأميرال بأن شعر الإمبراطور كان أكثر تألقًا وأن طوله زاد عمَّا كان عليه في الصورة، ثم إن التجاعيد الصغيرة حول عينيهِ زادته وقارًا، وإن عِرض منكبيه وطول قامته أظهراه للعيان بمظهر الطود العظيم.


كانت تلك بداية القصة التي حولت الأميرال فيما بعد إلى تابعٍ مخلص للامبراطور، فقد بات يرافقه في كثيرٍ من الأحيان ليذود عنه، ويشاركه في بعض الأحيانِ السهر على أمور الرعية، يستمع إلى حديثه الخفي، ويشهد لحظاتِ حزنه العميق، ووحده صار يعلم حقيقةً ما يدور في خلد الإمبراطور، كما أنه في الأيام اللاحقة أصبح يعرف الكثير عن الإمبراطور وعن نفسه إما عن طريق الأحاديث التي تجري على ألسنة الخدم، وإما عن طريق أحاديث الإمبراطور بينه وبين نفسه أو بينه وبين أخته زوجةِ الإمبراطور السابق الكونتيسة آناروز.


ذات مساء زار الإمبراطور أخته ثم حملها معه إلى المقبرة، وقد مكث الاثنان طويلًا أمام قبر الأميرال جيغفريد في صمتٍ كئيب، وما زادهُ ثقلًا سوى لون السماء الخريفي المنطفئ.


ذلك المنظر أحدث ثقبًا في صدر الأميرال وبث في داخله حزنًا منقطع النظير، وحتى بعد مضيِّ هذا الوقت الطويل، لا زال يذكر حزن الأخوينِ عليه، وحزنه لذاته حين علم بموته للمرة الأولى…


العزاء جاءه على هيئةِ كلماتٍ أسرَّ بهنَّ الإمبراطور لنفسه في كبد الليل المدلهم، كان ينطقها بلوعةٍ وهو يمعن النظر في تلك الصورة التي تجمعه بأختهِ والأميرال، وقد أصاخ التابع السمع لكل ما قد قيل، وعلم في تلك الليلة السرمدية بأنه صديق طفولة الإمبراطور وأنه مات مضحيًّا بحياته لأجل ذلك الصديق.


حتى إذا افترقا صبيحة اليوم التالي لم يبقَ شيءٍ في نفس الأميرال غير شعوره بالامتنان الساحق لذلك الرجل الذي لم ينسه حتى الآن، بل إنه وقف على ذكراه كمدًا، وأحس بالتلهف على وفاته هذا العام، وفي كل الأعوام التي تلت على حدٍ سواء.


بالعودة للحاضر، وقف الرجلان أمام منزل السيدة آناروز التي ما إن علمت بوصول ضيفها حتى هرعت إلى الخارج، واستقبلت أخاها في عناق، تحفها نظرات الأميرال المغتبطة، ولج الجميع إلى داخل منزل آناروز التي رفضت أن تعيش في قصر أخيها بعد وفاةِ زوجها، رغبةً في الابتعاد عن كل ما يربطها بالسلطة والسياسة، كانت فتاة رقيقة، على وجهها مسحةُ من الحزن الدائم، وهي تكبر أخاها بعدة سنوات، وهذه الزيارة بالنسبة لها كانت مألوفة، معتادةً منذ بداية عملِ الإمبراطور والأميرال في السلك العسكري، الاثنان كانا يبذلان جهدهما لحمايتها، والاثنان كانا على شوقٍ دائمٍ للقائهما.


بعد هذه الزيارة القصيرة عادا للقصر استعدادًا لحفل هذا المساء، والذي سيقام احتفاءً باستعادة مواطني الإمبراطورية من سجون العدو، بأعدادٍ تجاوزت المليوني أسير، ولقد كانت تلك واحدةً من الأعمال البطولية التي قدمها الإمبراطور لشعبه، والتي كسب بفضلها عميق الحبِّ والولاء.


وفي طريقهما نحو مكان إقامة الحفل، قال الأميرال فجأة:

- ينتابني شعورٌ سيء، الأفضل يا سيدي أن لا تفقد حذرك


ولطالما صدق حدس الأميرال، فقلق ولم يبرح ثانيةً جانب الإمبراطور، حتى أثناء إلقائه الخطاب على الملأ ظل ملاصقًا له كظله، يتنقل معه أينما ذهب ويقف حائلًا بينه وبين الآخرين إن هم تحدثوا معه.


حتى ما إذا حان وقت مغادرة الإمبراطور، تفاقم شعور الأميرال بالخطر، ودارت حربٌ ضروس في عقله، ثم لم يعد بوسعه أن يعرف طريقًا للراحة، وجلُّ ما أراده هو أن يبتعد ألف ميلٍ عن هذا المكان، لقد رافقهما حرسٌ كثير، ولم يغادروهما حتى تأكدوا من صعود الإمبراطور لمركبته!


زفر الأميرال مثقلًا حين عمَّ الهدوء المركبة، وأمضى الوقت يتأمل الطرقاتِ شبه المظلمة، ما زال يعتريه شعورٌ بالقلق، ولم يجد له مبررًا، الحفل انتهى وها هو يرى سيده يترجل من المركبة بأتم عافية، فترجل بدوره ومشى إلى جواره بجسدٍ متصلب وأعصابٍ تكاد تتمزق، ثم على حين غِرة، وتحت وطأة الليل الأصم سُمع لأوراق الأشجار خشخشة مريبة، وبطرفة عين حدث كل شيءٍ…


رجلٌ ثائر يحمل نصلًا، يشهره ويقفز به ناحية الإمبراطور… الأميرال يجعل من نفسه درعًا لسيده… الأميرال يمسك بقبضة النصل، يسحبها من جسده ويُلقي بها إلى الأرض… الرجل الغريب يقف مشدوهًا لا يعلم ما الذي جرى، ولمَ نصله لم يخترق جسد الإمبراطور رغم تعثره بشيءٍ ما… الإمبراطور ينظر بلا تصديق، يشعر بالاضطراب نتيجة اندفاع الحرس صوبه، يحدِّق في مكان النصل الملقى بارتيابٍ شديد، يقرر تأجيل التفكير في الأمر، ويلج إلى داخل قصره، وحيدًا هذه المرة، وحيدًا كما لم يكُن منذ وقتٍ طويل، ولم يعلم بأن صديقه قد ضحَّى بحياته من أجل حمايته، للمرة الثانيةِ على التوالي…


ريوف المقيطيب


١١ مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
bottom of page