شعار مداد.png

غريق في بحر التراث

منذ اللحظة التي تعرفت بها على صديقتي المقربة وعائلتها لم أشعر بأنني دخيلة أو غريبة عليهم، فأنا أعتز بكوني شخص متعرف على الكثير من العادات والتقاليد، ولا أشعر بالإحراج من المشاركة فيها، ولكن كل هذا تغير عندما حضرت حنة صديقتي، والحنة هي حفلة تسبق العرس في عادات الكثير من الدول، حيث يحتفل أهل العروس والعريس بارتدائهم الملابس التراثية وتناولهم الحلويات وتوزيع الهدايا المعبرة عن تراثهم.


سألت صديقتي قبل المناسبة عما يجب أن أرتديه، فسألتني إن كنت أريد أن استعير من عندها "فستاناً فلاحياً" ولكنني شعرت كأنني سأطعن دولتي في ظهرها إن قررت أن أرتدي الملابس التراثية لدولة أخرى، فقررت أن أعدل عن الفكرة، وأن أرتدي فستاناً عادياً.


عندما دخلت على المكان شعرت بنفس اللحظة أنني في المكان الغلط، فلم أر صديقتي، بل رأيت أطفالًا يرتدون "الفساتين الفلاحية" تكاد تأكل براءتهم من ثقل تاريخها، بقيت أمشي هائمةً على وجهي إلى أن دخلت الغرفة الرئيسية، ووجدت صديقتي جالسة في الوسط ترتدي فستاناً تراثياً أبيض مطرزٌ بالخطوط الحمراء على أطرافه، وتضع طرحة بيضاء مطرزة بالأحمر أيضاً، وفي اللحظة التي التقت عينينا هرعت لترحب بي، وإذا بي سمعت نفسي أقول لها: أبقي إلى جانبي فأنا أشعر وكأني غريبة هنا.


ضحكت صديقتي في وجهي ونادت لأمها لترحب بي التي كانت أيضاً ترتدي فستاناً مشابهاً لابنتها، ولكن كان لونه أسود ومطرز بالأحمر، وبدأ أقاربها اللاتي تعرفت عليهن من قبل يرحبون بي، وجميعهم كانوا يرتدون أزياءً مشابهة، ولكن كل واحد منها مميز بطريقته.


بدأت مراسم الاحتفال بحمل كل أحد من أقارب العروس بسلل من القش فوق رؤوسهم تحتوي على الحلويات والتوزيعات ودخولهم على إيقاع أغنية علمت فيما بعد أنها تسمى بـ "الترويدة"، ودورانهم حول العروس الراقصة في الوسط بأسلوب استعراضي ليروا المعازيم الهدايا والتوزيعات التي قام أهل العروس بتحضيرها لهم، وسرعان ما جاءت أم العريس حاملة عروس السلل؛ مزينة ومزركشة بشكل مميز عن السلل الأخرى، وبداخلها الورود والحنة لتوضع على يد العروس.


كل هذا حدث وأنا أقف مع صديقتي الأخرى وكلتينا لا نشعر بالانتماء، ولكن مشاعر الفرحة والبهجة قد حملتنا على التصفيق والصراخ مع البقية.


بعد انتهاء هذه الرقصة جاءت جدة العروس لتضع القليل من الحناء على يد العروس اليسرى، وقامت المرأة الكبيرة من عائلة العريس بوضع القليل من الحنة على اليد الأخرى، وقامت الجدة الكبيرة بقول بعض "الهناهين" وهي بعض الكلمات الغريبة والقليل من الأدعية متبوعة بصيحة مدوية بين كل جملة وأخرى وتنتهي بما يسمى بالزغروتة.


وجدت نفسي أجر إلى المرحلة التالية من الاحتفالية وهي رقص العروس مع صديقاتها العزباوات، ففجأة وجدت شمعة طويلة مزروعة في يدي، وقماشة أخرى أمسك بها في اليد الأخرى، وسرعان ما بدأت أدور بفستاني الدخيل على أنغام أغنية لا زلت إلى الآن لا أعرف فحوى كلماتها من قوة صوت ضحكاتي في تلك اللحظة.


في وسط هذه "المعمعة" وجدت نفسي أشعر بالقليل من الغبطة، فأنا أنتمي إلى مجتمع يهتم جداً بالظواهر الفاخرة والمُبَهورة أكثر من مظاهر البهجة والفرح، فلدينا في عاداتنا يجب على العروس ألا تضحك كثيراً قبل زواجها فلا يجب أن تظهر بأنها "ميتة" على العريس وأهله!


عندما قارب الحفل على الانتهاء، وجدت أن مشاعر الغربة قد اختفت ولم أعد أشعر وكأنني دخيلة، فأجواء الضحك والبهجة أنستني إياها، قبل أن أخرج تمنيت لصديقتي الفرح الدائم في زواجها المقبل وباركت لوالدتها ووالدة العريس، وخرجت من الباب مبتسمة وما إن ركبت السيارة حتى بدأت بسرد أحداث اليوم هذا لعائلتي ومشاركتهم للعادات التي تعرفت عليها في هذا اليوم.


مروة مغمومة



٢٣ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل