شعار مداد.png

فناء الحیاة

كنت أتجول ذات یومٍ في فناء الحیاة .. ولا أعلم أین یقع هذا الفناء تحدیدًا ولكني أكاد أجزم بأن لكل شخصٍ فناءٌ قریبٌ منه..

فنائي الذي أعرفه مزدحمٌ بأناسٍ من كل الألوان والأجناس والطبقات، أجد فیه القصور والخیام، وسیارات الفارهین وعربات المساكین وأطفالٌ یركضون لعبًا وآخرون یركضون خوفًا.

في ذلك الیوم، وقفت أمام خیمة بھا امرأةٌ عربیة، تحمل طفلًا یبكي بكاءً مجلجلًا .. سمعتُ الأم تصرخ على زوجھا المشلول وتقول: "الولد یموت من البرد !! الولد یموت من البرد !! " .. كان الطفل یتشنج .. یكمش أصابع یدیه ثم یفردها، والزرقة تكسي شفتيه وتزحف رویدًا رویدًا إلى وجھه .. رأیت الأم تركض ذھابًا وإیابًا لفرط عجزھا، تلملمه في حضنھا تارةً ثم تضعه على الأرض تارةً أخرى.. ثم ترفع یدیھا إلى السماء وتدعو: (يارب، لا تكل أمر ھذا الطفل إلى نفسي طرفة عین)

بعدھا بدقائق انطفأت روح الطفل واسترخى جسده وعمّ سكونٌ مھیبٌ .. بدا وكأن الأرض قد توقفت عن الدوران لوهلة.

رأیتُ الدموع تتجمّع في عیني الأب العاجز.. لكن الأم قاطعت السكون وضحكت .. كانت تضحك وتقول لزوجھا: "أنا لا أضحك لأني مجنونة! أنا أضحك لأن الله سمعني" واستمرت بالضحك حتى بكت ..

شعرت حینھا بأن الدموع تفیض من قلبي لا من عیني .. وخلتُ أنني سأجدُ عزاءً كبیرًا یحیط بالخیمة إلا أنني حین التفتتُ؛ وجدت أمامي فتاةً تحكي لصدیقاتھا عن الفندق الذي أقامت به أثناء سفرها خارج البلاد. كانت تقول بأن أجمل ما في ذلك الفندق هو أن عاملا كان یقف بانتظارھا ویحملُ عنھا الحقیبة رغم أنھا خفیفة !! تنھي كلامھا قائلة: "هذا منحني شعورًا بأنني ملكة !" .. ثم انخرطَتْ في نوبةِ ضحك ..

كنت حینھا مازلت أسمع نحیب تلك المرأة .. فتناقضت الأصوات في أذني وشعرت بصداع یمزق عروق رأسي .. حاولتُ جاھدةً أن ألفت انتباه الفتاة .. أردتُ أن أنبّھھا لوجودِ إنسانٍ ینتحب في الجوار .. صرختُ مرارًا؛ حتى اتضح لي بأنھا لا تسمعني، أدركتُ لاحقًا بأن أُذنیھا محاطة بحواجز شاھقة لا تسمحُ لھا بسماع ما أسمعه. حینھا

تمنیتُ لو أن الأرض تنشق وتبتلعھا أو تسقط السماء على رأسھا؛ فتخرس.

ابتعدتُ قلیلًا لعلي أجدُ عزاءً في مكانٍ آخر .. فإذا بي أقف وسط تجمھر كبیر. یتوسطه رجلٌ - غزا الشیب رأسه - یحمل بیده كیسًا من الخبز.. وكان هناك شابٌ فتيّ یوجّه إصبعه نحو ذلك الرجل ویقول: (سارق !! ھذا الرجل سارق !! .. أخذ الخبز ولم یدفع ثمنه) فیھمس الجمیع ویلمز، و یتھافت الأطفال الأشقیاء: ( یاسارق .. یاسارق)

أما أنا فكنت أنظر لعیني الرجل مباشرةً .. رأیت فیھا سقیفةً یجلس تحتھا مجموعةٌ من الصغار و امرأةٌ مسنّة. كانت شفتا الرجل ترتجفان وتنطقان بتمتماتٍ غیر مفھومة لكنني فھمتھا ! قال بأنه لیس سارقا ولم یكن یومًا كذلك ولكن الحیاة لوت ذراعه وذراعه الأخرى مبتورة منذ زمن وقدماه ثقیلتان ورأسه أثقل وما من كتفٍ یستندُ علیه. حاولت حینھا أن أتحدث دفاعًا عن الرجل إلا أن صوتي كان أقصر من أن یصل.. التفتتُ للجھة الأخرى لعلي أجد صوتًا أقوى من صوتي فرأیت رجلًا یجلس مع أبناءه على مأدبة .. بدا لي أنھم یأكلون بكلتا الیدین .. كنت أرى أیادٍ كثیرة تغوص في المائدة ثم ترتفع دون اكتراثٍ لحبات الأرز التي تتناثر ھنا وھناك ! حاولت لفت انتباھھم، لوحتُ بیدي وقلت بأن رجلًا یموت جوعًا في الجوار! وما من جدوى! لم یلاحظني أحد؛ فكان علي أن أدرك منذ البدایة بأن أعینھم مغلّفة بغشاوة غلیظة وقلوبھم مغلقة بأقفالٍ ضاعت مفاتیحھا منذ زمن. خبأتُ یديّ في جیبي وتراجعتُ بھدوء .. كانت عیني مكسورة والأصوات المتناقضة ترنّ في أذني وتقرع قرع الطبول.

ومنذ ذلك الیوم وأنا مقسومةٌ لنصفین .. نصفٌ یتسكّعُ في الأزقّةِ الضیقة، یسمع النحیب ویرى الأسى.. ونصفٌ یجولُ بین القصور، یسمع الضحكات ویتعثر بحبات الأرز المتناثرة.





شيماء بكران

2 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل